ينظر إلى دير سانت كاترين أسفل جبل سيناء على أنه واحد من أعظم المؤسسات الدينية فى العالم، ويؤرخ له كوحدة كاملة منذ عهد الإمبراطور البيزنطى جوستنيان (566-527) فى القرن السادس الميلادي. وقد أخذ الرهبان طريقهم نحو سيناء منذ فجر المسيحية. وفي أثناء الاضطهاد الروماني تمكن كثير منهم من الهرب من مصر نحو سيناء لشهرتها الدينية، وارتباطها بالنبي موسى (عليه السلام) وأولاد إسرائيل، فقد كانت لها جاذبية كبيرة طبقاً لتخيل المسيحين، وأصبحت سيناء ملتقى الأحبة الورعين من قارات العالم القديم.

هناك فترات ومواقف اتضح فيها عمق ومتانة العلاقات بين الطرفين المتجاورين، فقد ورد في التراث المسيحي قيام بعض الرهبان فى سنة 625م برحلة إلى مقر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) يطلبون الحماية بل زعموا أن النبي زار الدير حيث تمت استضافته، وفي المناسبة منحهم الوثيقة، والعهد موجود بمكتبة الدير، وفيه: على المسلمين ألا يغيّّّّروا وضع الرهبان، أو يجبروا الجماعات المسيحية، وأن لايخلعوا أسقف من أسقفيته، أو يخرجوا قسيساً من دينه أو راهباً من قلايته… والنبي هو حاميهم، وأن من لا يلتزم بهذا سيكون مخالفاً لشرع الله وسنة نبيه، هذا وقد حافظ الحكام المماليك والعثمانيون على تلك التقاليد الإسلامية العريقة.

في ما يتعلق بقوانين الدير فهو يتبع نظام القديس باسيل (القساري) الذي عاش فى القرن الرابع الميلادي، وهو أول من حول الزهد الصحراوي إلى حياة رهبانية منظمة صارت محكمة منذ ذلك الحين بالقوانين الديرية، وعلى حكم العادة كان الرهبان يصحون على رنة من الجرس تمثل العمر الذى مات فيه السيد المسيح، وبعد نحو الساعة في صلاة الصبح بكنيسة البازيليكا كانوا يشغلون أنفسهم بمهمات حتى مجيء وقت الغذاء الساعة الواحدة ونصف ظهراً، الذين يتناولونه معاً في قاعة الطعام، وفي الساعة الثالثة يدق الجرس ثلاث مرات لمتابعة صلوات المساء، وبعدها يتناولون طعام العشاء في قلايتهم.

وعن الظروف المعيشية للرهبان، يبدو أنهم كانوا يعيشون عيشة فقيرة، فلا يأكلون اللحم، ومن آن إلى أخر يتناولون السمك والجبن المجفف، أما الأغذية الأخرى كالدقيق والأرز والبقول فغالباً ماكانت تأتي على الجمال من القاهرة، وكان تأخير القوافل بسبب البدو أو وعورة الطريق، يسبب مصاعب كبيرة لأن إنتاج حدائق الدير كان موسمياً ولا يفي بالحاجة تماماً. ولا غرو أن سمي من قبل الفرنسيين المصاحبين لحملة بونابرت بالسجن المقدس.

والبدايات التاريخية للعلاقات مع البدو قديمة قدم الدير، وحراس الدير الأوائل برزوا كعنصر منفصل حدثنا عنهم بإسهاب بركوبيوس المؤرخ الخاص للإمبراطور جوستنيان، والذي قال إنه أمر بإقامة هذا الدير والكنيسة ليكون حصناً يلجأ إليه الرهبان إذا هاجمهم البدو، الذين هم غالباً من عنصر الأنباط، حيث تميزوا بالبأس والقوة وكانت عاصمتهم فى بترا جنوب البحر الميت بالإردن. ونحن نعلم مما كتبه الراهب نليوس عنهم، أن مكان عبادتهم كان فوق قمة أحد الجبال، حيث يعبدون نجم الصباح، الإله المعروف باسم ذى الشرى (Dusara) لدى الأنباط. وفي آخر القرن السادس الميلادي ذكر الراهب أنطون الشهيد أنهم كانوا يعبدون القمر، وفي القرون الوسطى ذكر بعض الرحالة العرب أنهم كانوا يعبدون صنماً فوق جبل حمام فرعون على مقربة من وادي الغرندل عند سفح جبل موسى. وهناك نظرية أخرى ترجع أصل هؤلاء الحراس الأول إلى الصرب أو البوسنة، ويرى الأنبا دميانوس أن هؤلاء البدو البربر – كما يفضل أن يطلق عليهم – يعود أصلهم إلى جنوب السودان والحبشة، وأنهم قاموا في القرنين الرابع ثم التاسع الميلادي بمجازر وحشية راح ضحيتها فى المرتين حوالى أربعين راهباً فى الطور، ومثلهم فى دير سانت كاترين، وقد دوّن تلك الحوادث المؤرخ المصري أمونيوس. وبنى الرهبان كنيسة الأربعين تكريساً لذكرى استشهاد هؤلاء الرهبان.

كما ذكر بطريرك الإسكندرية أفتخيموس أن خدام الدير الحاليين هم أحلاف للعائلات التي كان قد أرسلها جوستنيان، ويشكلون قبيلة واحدة من القبائل العربية القاطنة في أرض سيناء، وأنها تعرف باسم «الجبالية». ويلاحظ أن أعداد الرهبان داخل الدير وخارجه كانت تزيد أو تقل أو تستقر على حسب طبيعة العلاقات مع البدو. ففي ظل السلام النسبي الذى عاشه الدير منتصف القرن الرابع عشر الميلادي تراوح عددهم ما بين 40 و60 راهباً، وبعد ما يزيد عن الثلاثين عاماً فى 1385م وجد الرحالة ليوناردو فويسكوبالدي حوالى 200 راهب مقيمين هناك. وعلى حسب رواية فليكس فابري فقد انخفض عددهم إلى ثلاثين راهباً فقط عام 1480م. وبعد أكثر من قرن، عندما وصل كريستوفر هارانت وزوج أخته الذى جاء من برانج إلى الدير في 1598م كانت الأمور قد انعطفت نحو الأسوأ، فعنما دقوا أبواب الدير أحاط بهم بعض البدو وقيل لهم إنهم عانوا قبل مجيئهم بوقت قصير من غارة خطيرة قام بها بعض البدو الخارجين على القانون ولم يصدّ الغارة سوى تلك الأقفال القوية الموجوده على الأبواب الصلبة المزدوجة، وأن هؤلاء البدو لم يذهبوا إلا بعد أن أخذوا رشوة وفق العادة. والفترة الممتده من القرن الرابع عشر وحتى منتصف القرن الثامن عشر تكاد تكون مبهمة فى تاريخ سيناء،  فالكتابات عن سيناء والقبائل وتوزيعها تكاد تكون ضئيلة.

العلاقات بين أهم قبائل البدو والرهبان

ومن أهم القبائل التي وجدت إلى جانب الدير قبيلة الجبالية التى كانت ولاتزال تقوم بخدمة الدير ولكن منذ أن دخلوا الإسلام، لم يعودوا يترددون على الدير أو خدمة الرهبان بأفضل مما تفعله بقية القبائل الأخرى، ويراهم البعض أنهم أكثر هذه القبائل بؤساً، والنظريات حول أصل قبيلة الجبالية عديدة ومتضاربة، فالمستعرب الروسي بيرمينوف يرجع أصلهم إلى منطقة الفلاشيا أو الفلاخ على البحر الأسود، بينما تعتقد غالبية المؤرخين بمن فيهم الجباليون الحاليون أنفسهم بأنهم هم السلالة المباشرة لهؤلاء الحراس القدماء، ويوجد في مكتبة الدير معلومات عنهم توضح ما كان يلاقيه الرهبان من عنت هؤلاء الجبالية. أما المؤرخ المقريزي فيرى أن الجبالية هم فرع من العقاقرة الذين هم بدورهم بطن من بطون قبيلة السود، وهي فرع رئيسي من بني سليم.

وانقسمت الجبالية إلى بطون منها السلايمة والحمايدة والوهيبات وأولاد جندي وأولاد رزين. وأحياناً تكون تسميتهم مستمدة من المنطقة الجبلية المرتفعة التى سكنوها، وهم يختلفون اختلافاً ملموساً عن سائر البدو فى الجنوب، في تقاطيعهم وطبائعهم مما حدا بغالبية الكتاب إلى اعتبارهم من غير البدو، بل من سلالة أولئك الفلاحين الذين أتى بهم جوستنيان. وقد ساعد على ذيوع هذا الاعتقاد أن بدو سيناء الجنوبيين ينظرون للجبالية على أنهم أقل منهم مكانة ويختلفون مع البدو الآخرين فى قيامهم بزراعة حدائق الدير وخدمة الرهبان، الذين يتعهدون بدورهم بمأكلهم ومشربهم.

ويزودنا ج.كوتل ببعض الأوصاف الخاصة لهؤلاء البدو المحيطين بالدير فيقول إنهم ذوو قامة يبلغ طولها في المتوسط من متر ونصف المتر إلى المتر الواحد، ولون بشرتهم مائل إلى السمرة الشديدة. وعيونهم حادة سوداء وأجسادهم نحيفة في العادة، وتقاطيعهم حادة من دون أن توحي بالكآبة، ويدينون بالإسلام.

وتذكر المصادر أن آخر امرأة مسيحية منهم ماتت فى عام 1750م، وهم يدينون بالإسلام الآن لكنهم لا يعرفون عن الإسلام سوى اسمه، ولا عن القرآن سوى الشهادة، ويحج هؤلاء البدو إلى مقام النبي هارون بقرب كنيسة الدير، وقد خصص لكل قبيلة يوم تقوم فيه بزيارة الدير والصلاة في جامعه، ثم يعودون إلى الدير ثانية ليتزودوا بالخبز والماء، وفي المساء يتوجهون إلى مساحة فسيحة بجوار هارون حيث ينحرون الإبل ويقضون ليلتهم فى التعبد والصلاة، ويعتبر هذا اليوم بالنسبة إليهم بمثابة فرصة عزيزة للاجتماع وتبادل الأخبار والآراء.

ومع ذلك فالجبالية يعتبرون أنفسهم رومانيين منتمين إلى جنسية رهبان الدير، ويفتخرون بهذه التسمية معتزين بأرومتهم، وعليهم واجبات خاصة في الدير كما أن لهم حقوقاً، وبالرغم من إسلامهم فقد حافظوا إلى حد ما على بقايا إيمانهم المسيحي القديم، وأعتبروا الدير ورئيسه أعلى سلطة إدارية وقضائية لقبيلتهم، وقد خصّ الكتّاب الأوروبيون قبيلة الجبالية بالذكر، وزعموا بأنهم من سلالة الحرس الصقالبة الأولين الذين أتى بهم جوستنيان، ولكن ألا يمكن النظر إلى الجبالية نظرة أخرى، واعتبارهم بدواً قرّبهم الرهبان إليهم في أول الأمر، ثم خصّوهم بحماية الدير، وأشركوهم معهم فى العناية بحدائق الدير ومزارعه، وهكذا أصبحوا في شبه عزلة عن بقية القبائل الأخرى، ونظر إليهم بقية البدو على أنهم خدام للنصارى؟

من ناحية أخرى قد يفترض البعض أن شيئاً من الاختلاط قد حدث بين الرهبان الذين كان عددهم كبيراٌ، وبين هؤلاء الجبالية. وعلى ذلك يكون هذا الاختلاط من الأسباب التي أدت إلى هذا الاختلاف الذي يظهر في تقاطيع الجبالية، إذا ماقورنوا بتقاطيع غيرهم من البدو الآخرين. وهكذا قيض لقاطني الدير أن يجدوا أسلوباً للعيش الآمن حتى مع المسلمين المحيطين بهم.

إلى جانب الجبالية وجدت قبائل أخرى. بعضها لايزال موجوداً مثل قبائل أولاد سعيد، وأولاد واصل، والصواحلة، والقلقاه، الذين كانو يوردون الملح للدير، كما كان خفراء الدير في بعض الأوقات ينتمون إلى قبائل العوارمة والزهيرات والعليقات، بالإضافة لأولاد علي، والعايد، والبراغثه.

ومعروف أنه أطلق على سكان القسم الجنوبي من سيناء اسم الطورة نسبة إلى الطور، وكان من أهم قبائله أولاد سعيد والعوارمة، والفراشة ومزينة، والجبالية، والطورة ليسوا سكان سيناء الأصليين، فقد وفدوا إلى البلاد إبان موجة الفتح العربي الكبرى عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأغرتهم سيناء باختيارها مكاناً للاستقرار بخاصة في السنوات التى تلت الفتح الإسلامي لمصر، وذلك بسبب نقل التجارة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا وخفارة دير سيناء، حيث كان يسيطر على قلب سيناء وقتها عربان بني سليمان، وبني واصل وبعدهم العليقات والصوالحة.

قبائل أخرى كانت على علاقات مباشرة أو غير مباشرة مع الدير وأهله، ومنها التبنة والمواطرة اللتان يرجع تاريخ علاقاتهما مع الدير إلى أواخر القرن السادس عشر، ولعلهما من القبائل التي استعان بهم الرهبان فى البداية كحماة لهم ضد غارات القبائل الأخرى، وفي الكتابات المحفوظة في الدير منذ أواخر القرن السادس عشر، يشار إلى قبيلة بني واصل، وفي الغالب أنها من بطون بني عقبة التي جاءت من شمال الحجاز ومن شرق مصر، ومن المعروف أنهم كانوا يسكنون فى شرق الديار المصرية واقتسموا البلاد مع قبيلة الحماضة لأنهم ضعفوا بسبب كثرة الخلافات مع القبائل الأخرى على أسبقية نقل الحجاج ما أدى إلى استيلاء الصوالحة والعليقات على أرضهم، ولم يكن قد بقي منهم في أوائل القرن العشرين سوى 20 منزلاً دخل أهلها في حمى الصوالحة، وكانوا من قبل ينقلون البضائع إلى دير القديس أنطونيوس على البحر الأحمر.

ويرى المقريزي أن بني واصل هم فرع من عقبة يعيشون فى جنوب سيناء، وأطلق اسمهم، على عزبة تقع في مواجهة بني سويف، حيث كانوا إلى عهد ليس ببعيد يتمتعون بحق نقل البضائع إلى دير أنطونيوس كما أسلفنا. وورد أقدم ذكر لهم في سيناء في كتابات الدير. وينفرد بوركهارت بالإشارة إلى قبيلتي الربابيين والصباحية، حيث استطاع أن يحصل من المخطوطات العربية المحفوظة في الدير والمدونة فى أوائل القرن الثامن عشر على خبر مضمونه أن هاتين القبيلتين كانتا ضمن حرس الدير، والربابيون هم من أفخاذ جهينة بالحجاز، ومنهم من سكن قرب المويلح، كما سكن بعضهم حول الطور كحراس لأملاك الدير، أما عملهم الأساسي فكان إرشاد السفن إلى مرفأ الطور ولا يوجد الآن أثر يذكر للقبيلة الأولى.

ومن العادات التي ظلت ثابتة على رغم تغير الظروف والأحداث، ظاهرة العطف من قبل الدير نحو هؤلاء البدو، والتي اتخذت صوراً متعددة، أهمها إعطاء البدو الطعام يومياً، ففي حدود العاشرة صباحاً، وحتى الواحدة ظهراً يندفع البدو بتلهف نحو الحظيرة Penthouce ينتظرون حصتهم التقليدية من الخبز فيحصل الرجل على خمسة أرغفة، والمرأة والطفل حتى ولو كان رضيعاً على ثلاثة أو أربعة أرغفة، ويوزع أيضاً بعض من السمن والرز والزيت والبن والخل والسبيرتو بمقادير قليلة، أو يوزع عليهم يوماً بعد يوم ما يعادل ثلاثة وثلاثين كيلة مصرية فى كل مرة، وفى بعض الأحيان كان الدير يقيم الولائم للعربان على شرف الزائرين ويطبخ فيها العدس والأرز.

كما كان الرهبان يوزعون على المرضى من البدو الكينا وأنواع المشروبات والأدوية الموصوفة لهم من قبل طبيب الرهبان، وطبقاً لأقوال العربان كان يتم توزيع نحو320 أقة من الخبز يومياً، ويذكر الرهبان أن الكمية الموزعة على البدو من القمح كانت فى حدود 300 أردب(مكيال مصري)، ونحو45 أقة من الزيت من نتاج محصول بساتين الدير وما يقرب من130 أردب من الرز، و50 من الذرة و80 من الشعير، وبالنسبة إلى توزيع الأطعمة فكان يتم عبر مشربية في أعلى سور الضلع الشرقي للدير، وأما عن خدم الدير من البدو فقد كانوا يتقاضون أجرة شهرية عينية عبارة عن كيلات من القمح، أما خفراء الكروم فكانت لكل منهم ثلاثة أرغفة صباحاً.

ذكر الرحالة الروسي باسيل جوجارا عام 1634م أن رهبان الدير كانوا يقومون بإطعام حوالي 500 من البدو خوفاًعلى حياتهم، وكانوا يضعون الطعام في أجولة مصنوعة من الجلد، ثم ينزلونها خلف أسوار الدير من طريق حبال سميكة وإذا جاء الصباح ولم يستطع الرهبان لسبب أو لآخر أن يعطوهم المعلوم من المؤونة، يقوم البدو برجمهم بالحجارة من خارج أسوار الدير، وذلك طبقاً لرواية بوسيناكوف الذي ذكر أنه شاهد ذلك بنفسه.

وفى حالة وفاة أحد البدو كان الرهبان يمدون العائلة المكلومة بالكفن والقطن ولوح صابون للمتوفى، وقدحين من القمح، ومثلهما من العدس، والبن، وثلاث أوقيات من التمر لكي توزع صدقة على روح المتوفى، كما تكفل الدير بالصرف على تكاليف الدفن، وإذا استضاف الرهبان شيخاً من البدو في الدير أو في مركز الطور أو في المركز الرئيسي فى الجوانية بالقاهرة ذبحوا له وأكرموا وفادته، وقدموا العلف إلى بهائمه. وإذا ما حضر العربان عيد موسى فى 3 أيلول (سبتمبر) من كل عام – ودائماً ماكانوا يحضرونه – يوزع الرهبان عليهم الطعام والمشروبات، وفي فترة متأخرة أنشأ الدير مدرسة مجانية لتعليم أبناء البدو.

خدمات البدو للدير

تلك المعاملة الحسنة التي نالها البدو من قبل الدير كانت تتم مقابل الخدمات التي كان يبذلها البدو للدير وزواره. وتلك الخدمات تتمثل في :

1- الحفاظ على الدير وحماية أرواح الرهبان من أي إعتداء، كما امتدت الحماية إلى الزائرين والمترددين على الدير، وعمل البدو كحرس لقوافل الدير من وإلى الطور، مقابل أجره يتفق عليها عن كل رحلة، وإن كان أجر الحراسة في الغالب يمنح سنوياً، وتختلف القيمة من سنة إلى أخرى تبعاً للاتفاقيات المعقودة بين الطرفين.

وأحياناً كان الأجر يعطى كل ثلاث سنوات وتسليم الأجر والكسوة كان يتم بشهادة الشهود مع إثبات ذلك فى سجلات الدير. وعندما أضعف محمد سلطة البدو وتحكمهم في طرق سيناء المختلفة، حدد أجور النقل، ولم يتركها لجشع البدو يغالون فيها كما يشاؤون وأشرك الفلاحين المصريين في حق التمتع بنقل البضائع والمسافرين مع بدو سيناء، فأوجد لهم بذلك عنصراً منافساً.

2- استخدام خفراء من البدو لحراسة بساتين العنب المملوكة للدير في مقابل ما يمنحهم الدير من دقيق وثمار وزيتون بعضها يوزع يومياً والبعض الآخر سنوياً.

3- اختصاص كل قبيلة بعمل معين كتزويد الدير بنوع ما من المؤن أو حملها إليه، فقبيلة أولاد صالح كانت تزود الدير بالملح، واختصت قبيلتا العليقات والصوالحة بنقل الرهبان وأمتعتهم ونقل حجاج وزوار الدير بخاصة القادمين من المسكوب أي (الروس) وغيرهم من السويس أو الطور، وفي وقت سابق شاركت قبيلة مزينة القبيلتين الأخيرتين في عمليات النقل. وبحكم العادة كان البدو يعتبرون جميع المسافرين وسيلة لكسب العيش ويضعون قواعدهم الخاصة لكيفية الحصول على هذا الكسب.

4- اختصت قبيلة الجبالية بسدانة المسجد داخل الدير، هذا بالإضافة إلى أعمال أخرى مثل مساعدة الرهبان في عمل الخبز، وزراعة بساتين الدير الخارجية.

5- البعض عملوا كمرشدين أو أدلاء كسعيد الذى كان «رجلاً طيباًعادلاً»، وعمره 35 سنة، وكان لسعيد شعبية فى أوساط الحجاج المتجهين صوب الدير لأنه في سنة 1384م (أثناء حكم السلطان برقوق) عمل مرشداً ومترجماً لمجموعة الحجاج المصاحبين لليوناردو دي فريسكوبالدي، وهكذا قامت العلاقات بين الطرفين على أساس من المصالح المشتركة

ومع ذلك لم يمتنع البدو في أحيان كثيرة عن الاعتداء على الدير وممتلكاته عندما تسمح الفرصة، فهناك سجل كامل يرجع إلى القرن السابع عشر، أفرد معظمه لإثبات الاعتداءات التي حدثت في فترات متفاوتة من ذلك القرن. وكان الاعتداء يتم بأشكال مختلفة كأن يعتدي أشقياء من البدو على الرهبان بالضرب والسب، أو هدم جزء من سور الدير، أو دخول «الكرم بالغصب وهزّ المشمش وخطف اللوز أو قطف التين والعنب، أو طلب الطعام والحصول عليه بالقوة».

وقد لعبت الظروف الطبيعية والجغرافية دوراً كبيراً فى إثارة بعض النزاعات والعلاقات غير الوديه بين الطرفين، وفي الحقيقة كان السبب المباشر لاعتداءات البدو هو ذلك التباين الكبير بين فقر البدو وغنى الرهبان، فالدير يمتلك بعض الوديان الخصبة كوادي الأربعين، ووادي فيران، في الوقت نفسة الذي كان البدو يعيشون حول تلك الأودية، وكلما نضبت المياه فى مكان يتنقلون إلى مكان آخر سعياً وراء الحياة والرزق، وبالتالي وقعت مشاحنات بين الطرفين. وبالإضافة إلى ذلك كان البدو يسكنون المغاور والجبال المجاورة للدير حيث ضايقوا الرهبان وتربصوا بالحجاج والزائرين، ولهذا كان لجغرافية المنطقة الجدباء أثرها العام في تشكيل الحياة في تلك المنطقة الصحراوية القاحلة بمحاصيلها القليلة التي اعتمدت على مياه الأمطار والآبار والتي كثيراً ما كانت تثير العديد من الخلافات والمشاكل بين الطرفين.

وفى بعض الأحيان حاول البدو بالقوة أن يخزنوا الغلال الخاصة بهم داخل مخازن الدير، وقوبل ذلك بالرفض الدائم من قبل رجال الدير. وفي أحيان أخرى كان البدو يغيرون على الدير بغرض سلب حديقته الخارجية، وبالنسبة إلى البدو المنوطة بهم البساتين فكانوا لايظهرون الجدية في زراعتها أو تقليم أشجارها بشكل دقيق أو تطعيمها.

أما البدو الذين كانو لا يملكون مأوى فقد حاولوا السكن مع الرهبان مما تسبب فى أيذائهم، وإقلاق راحتهم عن طريق الشوشرة التي عبروا عنها بعبارة «التشويش عليهم»، كما تخبرنا الوثائق.

كما تعددت مضايقات واعتداءات بعض الأشخاص المنتمين إلى تلك القبائل، فهناك غارة قام بها أحد أفراد قبيلة أولاد سعيد الذي تسلط على الرهبان لـ «الأذية والضرر». أما بعمالي ابن العجمي من قبيلة العوارية فقد تكرر منه الشيء نفسه، بل إنهم تمادوا أكثر من ذلك وكسروا باب الدير ونهبوا بعض أمتعته ونحو عشرين أردب من القمح، الأمر الذى استدعى إرسال فرمان إلى أمير قبيلة العابد الشرقية وإلى الحاكم الشرعي بالطور لمطالبتهما بمعالجة تلك الأمور.

كما تعدى المدعو موسى ابن خالد وبعض أقرانه من بني سليمان على غيط (حقل) ببندر الطور تابع للدير، وقاموا بقطع المياه الجارية تجاه حقول الدير بهدف إهلاك المحصول، فما كان من الرهبان إلا أن أظهرو ما بأيديهم من فرمانات حررها الوزير علي باشا لمصلحتهم، وطلب فيها من نائب الشرع بالطور والدزدار منع هؤلاء العربان الخارجين من الاعتداء على الرهبان وعلى أملاكهم.

وقام بعض أفراد من قبيلة تدعى الصراط بالاعتداء على الرهبان. وعلى رغم أن الرهبان قد شكوهم من قبل لدى الديوان الأميري، فإنهم استمروا في مضايقتهم مما جعل الرهبان يلجأون هذه المرة إلى شيخي قبائل العايد موسى وعبد الكريم يطلبون منهما إحضار البدو لحراستهم بموجب التعاقدات التى وضعت معهم، وعندما تقاعس الشيخان عن تلبية طلب الرهبان توجهوا بشكواهم إلى السلطان سليمان الأول الذى أرسل فرماناً إلى الحاكم الشرعي والكاشف بالشرقية لكي يقوما بمنع العربان من التعدي على الرهبان. كما تشير إحدى الوثائق إلى أن حاكم الشرقية طلب منه والي مصر العمل على استتباب الأمن في منطقة الدير، بخاصة بعد شكوى الرهبان للسلطان مراد الثالث (1574م- 1494م ) من قيام بدو من الصوالحة بنهبهم وإيذائهم على رغم أن العادة أن لا يدخل عليهم أحد من دون إذنهم، بالإضافة لما في أيديهم من حكم يمنحهم مبلغاً من المال منذ فترة حكم الوزير إبراهيم باشا.

أما أولاد علي السينائيون فقد كانو حراساً للدرك، ولما لم يقومو بأعمالهم على أكمل وجه، صدر فرمان إلى شيوخ قبيلة العايد بإحضار أصحاب الدرك هؤلاء سالم بن شيل وأحمد عبد القادر ورباح وأحمد بن جبل ومحمد بن رزيق وأخوه جماد وسلمان بن رزق الله، وبني سالم وحمد بن واصل، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من قبيلة الصوالحة، ومن أولاد علي، و «وقع الإشهاد عليهم مع القسم بالله العظيم أنهم سيحافظون على الدير ورهبانه، وكذلك المترددين من زوار وحجاج». ولم تتوقف الاعتداءات على الدير… وقدم تجار ينبع والحجاز المقيمين في مصر العديد من العرائض ذكروا فيها أنهم فيما كانوا فى طريقهم إلى مصر سطا بدو الطور على القافلة ونهبوا بضائعهم، وكان رد حاكم السويس بالتشديد عليهم بعدم الاعتداء على القوافل تلك أو على الدير أو التعرض لخادمه بالأذى.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل نجد أشخاصاً قاموا بالتعدي على الدير مثل بيبرس بن بعشر وبصحبته بعض الخارجين الذين حاولوا الحصول على الطعام وغيره من الرهبان بالقوة غير أن السلطات تداركت الأمر وأصدرت القرارات اللازمة لوضع حد لهؤلاء.

ويوجد في الدير فرمانات كثيرة تلزم حاكم الطور بمنع البدو من التعدي على الرهبان وحمايتهم، ورفع الأذى عنهم، وكان بعضهم يتوجه إلى القاهرة لمقابلة الباشا، ورفع مظلمته إليه، مثلما حدث في عام 1518م عندمال توجه بعض الرهبان لمقابلة خاير بك لهذا الغرض.

ومن الأعمال التي أثارت تخوف الرهبان قيام البدو بالاعتداء على ما يمتلكه الدير من حيوانات كالبغال التي كانو يؤجرونها لزوار الدير لركوبها ونقل حوائجهم وعندما تأزمت الأمور بين الطرفين وعجزت المحاولات عن حلها، هدد الرهبان بإغلاق الدير والتوجه إلى القاهرة والطور أو العودة إلى بلادهم، ما أدى إلى انزعاج البدو، وتعهدهم بالعمل على راحتهم. وكثيراً ما تكرر تهديد الرهبان بترك الدير مثلما حدث في أواخر القرن السابع عشر، غير أنهم عدلوا عن تهديدهم بعدما بذلت مساع كثيرة للصلح وتهدئة الخواطر، ويبدو أن التهديد بغلق الدير كان أحد أهم الردود من الرهبان.

وفي أثناء استتباب الأمن في المنطقة كان بعض الرهبان يعيشون فى قلايات خارج الدير من أجل «توبة أكبر ولا يذهبون أبداً إلى الدير سوى لحضور بعض الاحتفالات الدينية على مدار العام» وفي الحقيقة لم يكن الأمر دائماً على هذا النحو فمن حينإلى آخر كان العنف المتطرف يندلع ويتعرض الدير لهجوم البدو الذين كانوا يسيطرون على المنطقة فعلياً، فمثلاً عندما وصل فرانشيسكو سوريانو الأب الراعي لدير جبل صهيون في القدس عام 449م، وجد الكثير من البدو كانوا قد قتلوا لتوّهم مقدم الدير المدعو مكاريوس الثالث.

اتفاقات ومعاهدات

هناك مسيحيون في الغرب وجهوا النقد الشديد للرهبان، مثل فليكس فابري الذي كان كنسياَ كاثوليكياً قاسياً لم يتردد في إدانة الرهبان الروم الأرثوذكوس الذين كانوا يضعون قيوداً على الحجاج الغربيين في ما يتعلق باحتفالهم بالقدس داخل الدير، وإذا توفي حاج كاثوليكي في مدخل الدير، كان يتم دفنه فى الخارج في مقبرة الدواب حيث اعتبرهم الدير هراطقة ملعونين.

فرانشسكو سوريانو انتقد بقوة الرهبان اليونانيين المقيمين في الدير باعتبارهم هراطقة وليسوا جديرين بأن يكونوا حراس الجسد الثمين كاترين.

وتمتلئ مكتبة الدير بالمعاهدات والاتفاقيات بين الطرفين، وهو ما عبرت عنه محفوظات الدير بلفظ «شورة» أو «شورى» هذا بالإضافة إلى كتاب يحتوي على كثير من المعاهدات والمجالس مع مشايخ العربان، تنظم العلاقة بين الطرفين في تلك البرية الشاسعة، ووضعت ضمانات تكفل سبل الحياة بين الرهبان والبدو بالشكل الذي يحقق السلام والطمأنينة والسكينة لقاطني الدير، ومتطلبات ومصالح البدو. وغالباً ماكانت الإدارة العثمانية هي الطرف الثالث.

وقد توالت الشروط والتعليمات التي كان يمكن الاستدلال عليها من وثيقة ترجع إلى عهد السلطان سليمان الأول (1520- 1566م) نصت على ما يلي :

1- أن يحافظ قبائل أولاد علي والصوالحة وأولاد سالم وأولاد سعيد وغيرهم على الدير ورهبانه وزواره وممتلكاته من الكنائس والبساتين والنخيل في الجبل (جبل الطور) والجبال المحيطة بالدير، وبوادي فيران وساحل الطور بأنفسهم أو بمن يستعينون به من الحراس.

2- إذا حضر أحد من المسلمين أو المسيحيين كزوار فلا يدخل أحد من البدو معهم الدير بخيولهم، وألا يتعرضوا لمؤونة الدير القادمة له من مصر(القاهرة) وعليهم حفظ القوافل كذلك.

3- إذا اعتدى أحد الرهبان بالقول أو بالفعل كان على شيخ قبيلة العايد أن يستوقفه.

4- إذا استولى أحد من البدو على كرم من الكروم الخاصة بالدير، أو كسر باب الكرم، أو هدم سوراً أو قطع حبل الدوار، أو حرق باب الدير عليه أن يدفع جملاً لشيخ العايد.

5- إذا تعرض الدير للهجوم من قبل البدو بقصد هدمه أو تخريبه أحلّ للرهبان دم هؤلاء المهاجمين من دون لوم أو مساءلة.

6- وزيادة في الحرص على حماية أرواح الرهبان ونظراً لأن تعاليم دينهم تأبى عليهم حمل السلاح، فقد أبيح لهم استخدام أفراد للدفاع عنهم ضد المعتدين ومنحهم حق إطلاق النار عليهم وقتلهم إذا دعت الضرورة إلى ذلك. ويذكر أن الدير يحتفظ بترسانة صغيرة للأسلحة الخفيفة تحتوي على بعض من البنادق ذات المحاور استخدمت فى بعض الأحيان ضد اعتداءات البدو. وكان شيخ قبيلة العايد مناطاً به تعقب الخارجين من البدو ومحاسبتهم وأخذ حقوق الدير منهم.

ولكن بعد مرور نحو أربعة وخمسين عاماً تخلى بدو من الصوالحة وأولاد سعيد عن التزاماتهم تجاه الدير، ونتج من ذلك تخلخل في نظام الدير ورهبانه نتيجة تلك المخالفات، غير أن الإدارة العثمانية أكدت بضرورة العودة إلى سابق عهدهم، وإن لم يفعلوا ويرضخوا فسوف تنزل بهم العقوبات المناسبة.

ويتبين لنا أن شروط وبنود تلك المعاهدات لم يتغير مضمونها كثيراً اللهم إلا إذا جدّ جديد في الأمر، كأن تتبدل أسماء القبائل القاطنة أو أسماء الأفراد الموقعين من البدو أو الشهود من كلا الطرفين تبعاً لمرونة الزمن وتبدل الظروف، فالوثيقة الأولى الخاصة بالمعاهدات والشروط كانت زمن حكم مرقص رئيس الدير، حيث تدلنا تلك الوثيقة على أن جماعة من الرهبان ذهبوا للقاء بعض البدو والذين منهم العارمي والسعيدي والعليقات، كما تدلنا على أن الدير في ذلك الوقت كان مغلقاً، وأن قبيلة بني واصل المنوط بها توصيل الملح والسمك إلى الدير لم تقم بذلك منذ فترة، فما كان من الرهبان إلا أن أرسلوا لزملائهم في وكالة الدير بالقاهرة يبلغونهم بشح الملح، الأمر الذى أدى بالأخيرين أن يشدوا الرحال نحو البدو في جوار الريف، والذين كانوا يقومون بأعمال حراسة الدير، وأخبروهم بما حدث من جانب قبيلة بني واصل، فطمأنوهم وأبلغوهم بأنهم سيكتبون إلى بني واصل لإيجاد حل مناسب لذلك الأمر، كما أنهم سيكتبون إلى غفران – مطران – الدير في بندر الطور، وفى وادي فيران بخصوص المسألة نفسها. كما توضح الوثيقة أن بدو الصوالحة وأولاد سعيد والعليقات وبدو حضرة وبدو النفعيات وبدو الترابين وبدو تميم وآخرون كان عليهم القيام بخدمات متعددة نحو الدير مقابل جعلٍ معلومٍ، بل إن بدو السواركة ظلوا يطالبون الدير بمرتب الخفر حتى عام 1870م.

وتتوالى الوثائق العديدة التى نظمت كيفية قيام العربان بحماية رهبان الدير والشروط الكفيلة بذلك. ففي عام 1672م وقعت معاهدة بين الطرفين نظمت العلاقة بين الرهبان وممثلي مشايخ العربان من قبائل العايد والصوالحة وأولاد سعيد والعليقات، وأكدت تلك المعاهدات على ماجاء في بنود المعاهدات السابقة مثل:

«أن يعمر ويفتح الرهبان ديرهم كسابق عهدهم»، وظلت تلك الشروط على مدار تاريخ الدير الحديث تتغير وتتبدل، أو تزيد، أوتنقص، وفق الظروف حتى وصلت إلى الصورة التى هي عليها الآن. وفي وقت متأخر أصبح على وزارة الدفاع المصرية أن تكون ضامنة للشروط وأن تقرّ الأمن في المنطقة.

ويذكر نعوم شقير أنه ذهب إلى الدير في 1905م كمندوب من قبل سردار الجيش المصري لعقد اتفاق بين رهبان الدير وعرب الطور في شأن تأجير جمال لنقل الرهبان وأمتعتهم من الطور إلى السويس والعكس.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 − 8 =