لا أظن أن ذاكرة إنسانية، يمكنها احتواء ما ضجت به الذاكرة العراقية من حزن نجم عن أحداث تخللت حياة المجتمع، فهشمت مفاصل كثيرة في جسده الحي، بعضا من جوهر الحب في روحه العالية، أحداث غرست أنيابها في أعماق الشخصية العراقية، وبذرت بأظلافها تحت الأقدام خطوات مفخخة، وآثار طرق تنتهي بسالكها إلى الخراب.
ذاكرة مليئة بالسرد حد الجنون، بل يمكن عدها خزينا سرديا لروائيين عراقيين، أعدهم عالميين، و مثلهم قادمون لا محالة، أقول ذلك بثقة عالية، إذ ان الحكايات الواقعية ويومياتنا وبعضا من سير مجتمعنا، زاد سردي لا ينضب على مدى قرون، فضلا عن اختلاف وتنوع ذلك الزاد لدرجة أن الواقع السردي العراقي  ألغى الحدود الفاصلة بين الخيال والواقع، فما كنا نراه في أفلام الرعب الأميركية، شاهدناه في شوارعنا العراقية، وواجهنا وما زلنا إشكاليات اجتماعية واقتصادية لم نكن لنتوقعها.
هذا يعني أن على المخيلة السردية العراقية أن تتعامل بحذر في ارتفاعها وانخفاضها عن الواقع، الواقع الذي هو واقع فعلي طبعا، إلا أن الكثير من تفصيلاته تعد غاية في الخيالية لدى العديد من الشعوب التي تعيش باستقرار ولم يلامس بارود الحرب، أو دخان الأجساد المحترقة أنوفها، وأعتقد أن رأيا للصديق الشاعر والروائي احمد السعداوي أشار إلى تلك المفارقة في واقع السرد العراقي.
السرد العراقي يتنفس بعمق الآن عبر تجارب عراقية وأسماء مهمة، إنه يعبر عن ذاته بقوة إلا أنني أخاف عليه من فضائنا الشعري الذي يطغى دائما، ذلك الفضاء الذي يستبطن الذات العراقية ويظهر في انفعالاتها ويرفع مستوى خيالها ويرفد يومياتها بوهم زائد عن الحاجة، وهم يرفع تلك الذات عن ملامسة الواقع، خلافا لما تحتاجه من وهم يدفعها لتثبيت الأقدام على الأرض.
أتحدث عن الفضاء الشعري الذي يتسرب من كل مسامة في اللغة الى حياتنا، ولا أقصد أن أكون ضدا للشعر أو الشعراء فأنا أحدهم، ولكني متيقن أن السرد حاجة إبداعية اجتماعية يمكن أن تلبي نداءات تلك الثغرات في وعي المجتمع وذائقته، لأن السرد هو الأقرب إلى شرح مكنونات الذات العراقية التي تراكم فيها التعقيد وصار السرد هو الأكثر تلاؤما مع مرحلة سؤال تلك الذات وبحثها عن أسباب انكسارها الذي لابد أن تعترف به، ويأبى الشعر كعادته إلا في تجارب نادرة أن يساعدها في ذلك. أقسى ما يخيفني على السرد العراقي أن أجد روائيا مهما يسرقه ذلك الفضاء الشعري، فبدلا من أن يستثمر قدرته الشعرية ويصهرها في قوالب السرد الممتعة، يصدر مجموعة شعرية فيسهم من دون أن يشعر بإحاطة قارئه الباحث عن القصة والرواية بالفضاء سالف الذكر، ربما يتساءل ذلك القارئ، لماذا يكتب هذا الروائي مجموعة شعرية، في حين كنت أنتظر منه رواية؟ هل تراجع عن كتابته الأم؟ هل يعد الشعر أهم من الرواية؟ هل يريد أن يتنافس مع الشعراء؟ أم أن كتابة الشعر حاجة رئيسة في ذاته ؟ كل تلك الأسئلة وغيرها وإن كانت في صالح العملية الإبداعية عموما، لكنها تدعم وتغلب الشعر في كل الأحوال لأنه السائد والغالب، ولا جهر في مساندة المغلوب.

يمكنك متابعتنا على أخبار جوجل

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.