يتربَّع المفكر المصريُّ الراحل جمال حمدان (1928- 1993م) على عرش قلَّة من المفكرين المصريين الذين اتسموا بعمق التحليل، وشجاعة الطرح، وعبقرية المزج ما بين الجغرافيا -»العلم الحائر» وفق تعبيره- ومختلف فروع المعرفة الإنسانية: تاريخاً وفلسفة، سياسة وثقافة، ديناً واجتماعاً. وتبدو عبقرية المزج هذه، أسمى ما تكون، في فكرته الجوهرية «عبقرية المكان» التي تعد بمثابة ركيزة أساسية لمشروعه الفكريِّ العملاق، فقد كان حمدان مهموماً بتخصُّصه الأكاديميِّ ما دفعه لأن ينتقل به من حيِّز الدراسات التقليدية الـمَنْـزَع إلى حيز «الجغرافيا السياسية»، أو «الجغرافيا المقارنة» على وجه الخصوص. ومن هنا كان تساؤله الدائم حول الكيفية التي ينهضُ بها «الجغرافيُّ» من رقدته بعد أن ركع وخضع تحت وطأة وثقل أعبائه الخاصة ؟! وفي سياق محاولته الاجابة على هذا السؤال نتلمَّح بروز عناصر الفكرة الرئيسة لفلسفته الجغرافية، إذا جاز التعبير، أو ما أطلق عليه مسمى «فلسفة المكان».

الجغرافيا – بهذا المعنى إذن- هي التي تقدِّم صورةً كاملةً عن العالَم للمتعلِّم والمثقَّف أكثر مما يدعوه حمدان بـ «الميكانيزم» الذي هو ألصق بالعلوم الأوليَّة؛ كالنبات والحيوان والجيولوجيا… إلخ. وعلى رغم إقراره أنَّ الجغرافيا قد لا تتربع على قمَّة العلوم؛ فإنَّ ذلك لم يمنعه من التأكيد على أنها تتربع على قمَّة الثقافة! بل إنها: «أعلى مراحل الثقافة، وهي علمُ الثقافة الأساسيِّ»، ومن دونها لا يكتسبُ الإنسان صفة المثقَّف «مهما حاز من معارف»، وبها أنتَ مثقف مهما قصَّرْتَ (في طلب وحيازة المعارف الأخرى)»!

والواقع أنَّ نظرته هذه – التي قد تبدو غارقةً في التطرُّف للوهلة الأولى- سُرعان ما تتكشَّفُ عن معانٍ ودلالاتٍ كبرى، مثلما تكشِّفُ عن جملة من الأسباب الـمُقنعة والدَّافعة إلى الأخذ بهذا القول. فالجغرافيا في مفهوم حمدان لا تقتصـرُ على «علم تضاريس الأرض» فحسب؛ وإنما يُقْصَدُ بها الـ Geo-Histoire، أو «الجغراسيا»! إنها بمعنى آخر: كلُّ ما تراه العين خارج البيت أو الجدران Out of Doors؛ في الطبيعة أو في البيئة أو في الشارع. فكل إنسان – جغرافيّاً كان أم غير جغرافيٍّ- يرى الجغرافيا حيثما كان وأينما تحرَّك، بل إنه يتحرَّكُ «فيها»، فلا مهرب له منها البتة.

كما لا ينظر حمدان للجغرافيا بوصفها علما وضعيا يعتمد على دراسة الموقع والتضاريس فحسب؛ وإنما تشمل بالضرورة دراسة أوجه الحياة بكل دقائقها، ومن ثمَّ النفاذ إلى «روح المكان» لاستشفاف عبقريته الذاتية. ومن هنا كان رؤيته للعلاقة بين الإنسان والطبيعة في المكان والزمان رؤية متوازنة، بحيث لا ينحاز إلى طرف على حساب الطرف الآخر.

ومن هنا أيضا كان فهمه للجغرافيا بوصفها «فن الجمال»؛ بحيث تُصبح الخريطة بمثابة الشفرة ولغة الجغرافية الأساسية، وهي لغة عالمية غير مكتوبة وإنما مرسومة والأطلس قاموسها. مما يدفعنا للتساؤل عمَّا إذا كنَّا إزاء أديبٍ ضلَّ طريقه إلى الجغرافيا؟ أم إزاء جغرافيٍّ ضلَّ طريقه إلى عالم الأدب؟! تساؤل كهذا يفرض نفسه ونحن نتعمَّق ضمن تضاعيف رؤية حمدان الجمالية لفن الجغرافيا، وأسلوبه المتدفِّق في التعبير عن درجة عشقه لعبقرية وروح المكان.

إنَّ قانون الجغرافيا الذي يعلو كلَّ حقيقة- وفق حمدان- إنما يتمثَّـل في كونها عبارة عن «الجغْرَفة»؛ أي عملية تحويل ما ليس جغرافيا إلى ما هو جغرافيّ! وهو ما يُطلق عليه في مواضع أخرى»التكثيف الاستراتيجيِّ»: فالجغرافيا التاريخية «تكثيفٌ استراتيجيٌّ» للتاريخ، والجغرافيا السياسية «تكثيفٌ استراتيجيٌّ» للسياسة، والجغرافيا الاجتماعية «تكثيفٌ استراتيجيٌّ» لعلم الاجتماع… وهكذا.

وضمن هذا الفهم الحمدانيِّ الخاص لمنطق الجغرافي ولطرائق اشتغالها في التَّاريخ، وضع حمدان ملحمته العلمية الكبرى: «شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان»، والتي صدرت في أربعة أجزاء على ما يقرب من مدى عشـر سنوات (1975- 1984)، ووصل مجموع عدد صفحاتها قرابة أربعة آلاف صفحة من القطع الكبير.

في هذا العمل العلميّ الرصين يدرس حمدان شخصية مصر في ثلاثة أجزاء رئيسية هي: الشخصية الطبيعية، والبشرية، والتكاملية. وفي كلّ جانب من هذه الجوانب الثلاثة يعرض لعناصر التفرُّد والتميُّز في «شخصية مصر» بفضل ما تحتويه من عوامل: حضارية، وإنسانية، وطبيعية، تجعل من مصر مكاناً متفرداً يختلف عن كل ما يحيط بها، ففي الجزء الأول: «شخصية مصـر الطبيعية» يعرض لنا ما يتعلق بالجيولوجيا والجغرافيا المصرية والصحراوات المصرية التي تمثل النسبة الأكبر في مساحتها، وبطبيعة الحال أفرد حمدان جزءاً خاصا بوادي النيل الذي يمثِّل شريان الحياة فيها.

أما الجزء الثاني: «شخصية مصـر البشـرية»؛ فيذكر فيه ملامح التجانُس الطبيعي والمادي والحضاري والبشري والعمراني للشخصية المصرية، وكذلك الحضارة المصرية القديمة والحديثة منذ العصر الفرعوني حتى ثورة تموز (يوليو) 1952م، ومراحل تطور الحضارة المصـرية على مر العصور.

وفي الجزء الثالث: «شخصية مصر التكاملية»؛ يعرض الجوانب الاقتصادية في الشخصية المصـرية، وخاصة الزراعة التى كانت بمثابة ركيزتها الأولى، كما يعرض لتطور الصناعة والثروة المعدنية فيها. أيضاً يتضمن حديثه حول «الشخصية التكاملية» خريطة المجتمع المصري، وشبكة العلاقات المصـرية العربية ما بين الوطنية المصرية والقومية العربية.

في البداية كان حمدان ينوي إخراج كتابه هذا تحت عنوان «جغرافية الإسلام»، أو «جغرافيا العالم الإسلاميِّ»، ومردُّ ذلك أنه كان مدركاً لتعدُّد دوائر الانتماء بحكم مصـريته وعروبته وإسلامه، كما كان مُدركاً كذلك لعبقرية الموقع الاستراتيجيِّ لمصـر بكل ما تحمله الكلمة من معانيَ ودلالاتٍ سياسيةٍ وجغرافيةٍ وثقافيةٍ حضارية. وهذا الإدراك العميق هو الذي يبدو بصورة لافتة ضمن تضاعيف كتاباته ودراساته، إذ لا يكاد يغفل عن استحضار جميع تلك العناصر أثناء حديثه عن روح وعبقرية وفلسفة المكان.

وفي تصوره للهوية المصرية يؤكد حمدان نظرية «الأبعاد الأربعة»، ويقسّمُها إلى: أبعاد غير مادية مُكتسبة تتمثل في كل من: العروبة (بعد ثقافي_)، والإسلام (بعد ديني/ حضاري)، وأبعاد جغرافية طبيعية: كالأفريقية، والأورومتوسطية. ويخلص بعد استعراضها جميعاً إلى القول: «أن تكون مصـرياً فهذا يعني في الواقع (اجتماع) شيئين في الوقت الواحد: الأرض والشعب، الوطن والقومية. فالمصرية للمصري هي قاعدة الأساس، وقاعدة الارتكاز، وهي قاعدة مركَّبة من عنصرين ، ولها أبعاد خارجية أكثر اتساعاً: أبعاد جغرافية طبيعية بحتة؛ أي إقليمية من صنع المكان والطبيعة، وأبعاد مكانية باختصار، ثم أبعاد بشرية».

وفي دراسته لـ «عبقرية المكان» بالمعنى الشامل، يمزج حمدان في تصوراته ما بين الجغرافيا من جهة ومعطيات السياسة من جهة أخرى، بخاصة حين يتحدث عن «العالم العربيّ» الذي كان في منطقة الشرق الأوسط قديما بمثابة «مرتفع قوة»، أشبه بالجبل المحدَّب العالي، فإذا به يتحوَّل حديثاً إلى «منخفض قوَّة» تُحيط به مرتفعات القوة من الجهات كلِّها: (إيران وتركيا والغرب). أمَّا العالم الإسلاميِّ ككلٍّ؛ فهو بمثابة القطاع السياسي والحقيقي والفعَّال والمتحضر من العالم الثالث؛ بدليل أنَّ الغرب لا يزال ينظر إلى الإسلام اليوم باعتباره يُجسِّد الخطر الجديد، أو العدو المحتمل، بعد سقوط الشيوعية والاتحاد السوفياتي. على أنَّ هذا العالم تتهدَّده أخطار جمَّة؛ فالحروب المشتعلة حوله- ومن داخلِه- تؤلِّف نطاقاً كاملاً يُطوِّقه ويكاد يلفُّه لفاً من أقصى الشرق إلى أقصـى الغرب، ومن أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، وإنْ لم يحل ذلك كلُّه دون انتشار الإسلام الذي يُسْتدَّلُ على سرعة انتشاره من خلال ما يُسمَّى بـ «النمط الجغرافيِّ لتوزيع المسلمين في العالم». مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أنَّه بالإضافة إلى «العالم العربيِّ» و «العالم الإسلاميِّ» أصبح هنالك عدَّة «عوالم» جديدة، فضلا عن كون العرب قد أُخرجوا نهائياً من التَّاريخ، و»استقالوا» بأنفسهِم من الجغرافيا!

وسواء تعلَّق أمر «عبقرية المكان» بمصر أو بالعالم الإسلاميِّ ككل؛ فإنَّ حمدان يُلح في مقدمة كتابه على أنَّ الهدف من دراسته ليس ممارسة عملية تشريح واسعة لأعضاء المكان وأجزائه، ومن ثمَّ تقديم «موسوعة كتالوجية وصفية؛ إنْ تكن ضافية وافية إلَّا أنَّها خاملة راكدة، ولكنَّ الهدف أنْ نعْتصر روح المكان ثم نستقطره حتى يستقطب في أدقِّ مقولة علمية مقبولة، ويتركَّز في أكثف كبسولة لفظية ممكنة».

وروح المكان هذه هي التي عنَّون بها الفصل السادس والعشـرين من كتابه بـ «قلب العالم: موقع مصـر الجغرافيّ»، ضمن الباب السابع: «البناء الحضاريّ والأساس الطبيعيّ». والمعادلة العلمية التي يقوم عليها عمله كله هي: أنَّ مصر بمثابة حجر الزاوية والأرض الركن في الثلاثية القارية Continental Triad التي يتألَّف منها العالم القديم. فهي الوحيدة التي تلتقي فيها قارتان وتقترب منها ثالثة، وتقع عند التقاء أربعة ضلوع في هاتين القارتين. وبهذه الصفة فإنَّها لا تمتاز بـ «الموقع المركزيِّ المتوسط» في قلب الدنيا القديمة، ولا بـ «الموقع المدخليِّ» أو «موقع البوابة» فحسب؛ وإنَّما أيضاً بالموقع «العقدي البُؤري». وفضلا عن كونها المعبر الرئيس لقارة إفريقيا من جهة الشمال؛ تكتسب «عبقرية المكان» طريقين لا يقلان أهمية وخطرا -برأي حمدان- يفتحان غرب القارة، والقارة كلها، أمام مصـر: فشمالاً هناك طريق الهلال الخصيب بكل ثقله وتفرُّعاته وروافده المؤدية إلى قلب القارة. وجنوباً هناك طريق غرب الجزيرة العربية الذي يُطوّقها جميعا حتى الخليج ويفضي بعد ذلك إلى جنوب القارة. وبهذا وذاك تكون مصر قد التقت بالطبيعة في أربعة خطوط حركةٍ وطرق اقترابٍ بريَّةٍ تجعل منها ابتداء موقعاً عقدياً بؤرياً من الدرجة الأولى.

ويضيف حمدان إلى «الموقع الطبيعيّ» بعدا آخر لا يقل خطورة ولا أهمية؛ ويتمثَّل في «البعد البشريِّ من زاوية العمران العالميِّ» مما يُضاعف من قيمة موقع مصـر الاستراتيجيِّ بحكم الطبيعة، فمصـر كما تُعدُّ حجر الزاوية بين القارات والبحار، تتوسَّط أيضاً «القلب المعمور والفعَّال من العالم القديم»؛ ذلك الذي يترامَى كقاطعٍ يمتدُّ من الموسميات في جنوب شرق آسيا حتَّى المعتدلات في غرب أوروبا.

على أنَّ موقعاً متميزاً كهذا – سواء بحكم الطبيعة، أو بحكم العمران البشريِّ- له خطورته أيضاً، وهو ما عبَّر عنه حمدان بلفظة «تذبذب الموقع»، ومفادها: أنَّ الموقع- كمحصَّلة جغرافيةٍ لشبكةٍ منظورةٍ وغير منظورةٍ من العلائِق والقيم المكانيةِ والوضعيات الإقليمية- لا يمكن بطبيعة الحال أنْ يكون زمامُه في يدِه مُباشرةً؛ ولذلك لا يمكن أن يكون خاصيَّةً أو ثروةً مضمونةً تماماً. إنَّه بطبيعته «مخاطرةٌ جغرافيَّة».

وعلى رغم ذلك؛ ففي حالة مصر بالذات لا يمكننا فهم كيانها أو تاريخها فهماً صحيحا خارج إطار «الموقع» ومن دون الإشارة إليه. فمصر موضعاً «دولة نهر»، وموقعاً «دولة برزخ»، ولو لم يكن النيل – فرَضاً- لفرض الموقعُ نفسَه يقيناً. وكلّاً من «الموقع» و «الموضع» يُضفي ويعكس من وزنه على الآخر، والقيمة الحقيقية لكلٍّ إنَّما تتحقَّق بفضل الآخر.

فضلاً عن أن تطور مصـر – إنْ قوةً ورخاءً أو ضعفاً وفقراً- يرتبط في إيقاعه بإيقاع العلاقة ما بين ذبذبات «الموقع» وذبذبات «الموضع»، فعصورها الذهبية هي تلك التي اجتمع فيها الحد الأقصـى من موارد الموقع وموارد الموضع، وعصور تخلُّفها هي ما اجتمع عليها الحد الأدنى منهما، بينما عصورها المتوسطة هي عادة تلك التي يلتقي فيها الحد الأقصى من أحدهما بالحد الأدنى من الآخر.

يدين الغرب للإسلام بالعديد من الإنجازات في العلوم والرياضيات والطب والفلك والفن والعمارة، وفي تنظيم الجامعات والمكتبات، وفي تجليد وتذهيب الكتب، ويعتبر القرآن الكريم المكتوب باللغة العربية أهم الكتب على الإطلاق من إندونيسيا إلى إسبانيا، ومن إفريقيا إلى آسيا الوسطى. وعلى الرغم من أن الورق تم اختراعه في الصين، كان له مكانه البارز في الحضارة الإسلامية.

وكانت صناعة الكتاب مهمة في العالم الإسلامي؛ نظراً للقيمة الرمزية والمقدسة للكتاب، والتي ربطت بين التوسع الإسلامي وانتشار الورق والكتاب في امبراطوريته الواسعة، وهو القرآن الكريم، أقدس الكتب الذي يضم كلمة الله والذي كان يُنسخ باليد مما زاد من أهمية فن الخط والمنمنمات. والقرآن، كما هو معروف، كلمة تعني «القراءة» أو «التلاوة»، وكُتب باللغة العربية. وكان وما يزال النسخ اليدوي للقرآن الكريم يتمتع بقيمة روحية وفنية. وكان الخط يعتبر بدوره عنصراً زخرفياً مهماً، ويشكل جزءاً من فنون أخرى: من العمارة وحتى فن صناعة الحلى ومن صك العملة إلى المنسوجات والرسم. وكان القلم والمداد والورق من المواد التي تشارك في تكوين القرآن الكريم. وكان يتم بدقة اختيار الحبر المستخدم في كتابة الحروف والعناوين وعلامات السجدات. وأضفى حفظ القرآن الكريم على الصفحة المكتوبة قيمة كبيرة في المساعدة على التذكر وتقديم العون أثناء التلاوة. وتم تدوين القرآن بأكمله كتابة وبإشراف الخلفاء.

وكانت تتم صناعة الكتاب، بما فيها النسخ بخط اليد والتزيين بالمنمنمات، من خلال عمل جماعي يقوم به خبراء مختلفون يجتمعون لتنفيذ مشروع واحد. ومنذ العصور الأولى للإسلام، كان للخطاط دور ومكانة بارزة، لدرجة أنه كان أشهر الفنانين بين القرنين الثامن والثاني عشر الميلاديين. ويأتي الخطاط المعلم في المقدمة، وكان يشغل منصب مدير المكتبة أحياناً، ثم الناسخ، والمساعد، وخطاط الفرمانات، أو الأوامر التي يصدرها الحكام، وفي بعض الأحيان كان الخطاط يقوم بدور الرسام. وكان الخطاطون والكتبة يمثلون جزءاً مهماً في المجتمع الإسلامي، ويستحوذون على احتكار نسخ ونشر النصوص.

ولعب الكتاب دوراً بالغاً في الإسلام منذ ميلاد الإسلام في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع وانتشاره من بلاد فارس إلى إسبانيا، وكان انتشاره خارقاً للعادة من الناحية الكمية. وكان هناك مئات الآلاف من الكتب بالمكتبات الموجودة في المدارس والمساجد أو في دور الخلفاء، ومنها مكتبة الخليفة المأمون أو «دار الحكمة» في بغداد منذ عام 815 م. وكانت ببغداد 36 مكتبة عامة توفر لقرائها ما يلزم للكتابة من ورق وحبر وأقلام. وكانت للمكتبة مكانة مهمة داخل قصور الحكام. وكانت الأماكن الخاصة لبيع الكتب الملتقى المعتاد لعشاق القراءة. وشغلت الكتب مكانة مهمة في حياة المسلمين رجالاً ونساءً. وأطلقوا على الكتب المكتوبة على الورق «السفر» أو «الكتاب». وتم استخدام الورق بشكل واسع، وتم إنتاجه بتنوع كبير. وشهد القرن العاشر تفوق الورق بشكل نهائي وسريع على البردي والرق؛ نظراً لسهولة الحصول على خاماته الأولية التي تنمو بوفرة في العالم الإسلامي مثل القطن والكتان والقنب، فضلاً عن سهولة إنشاء مصانع الورق في كل مكان دون نفقات كبيرة.

وانتشر الورق في العالم الإسلامي الواسع اعتباراً من القرن الثامن الميلادي من آسيا الوسطى إلى إيران والعراق والشام واليمن ومصر وشمال إفريقيا والأندلس. وبعد سمرقند، التي انتشر منها الورق العربي، أُنتج الورق بكميات كبيرة في مصانع بغداد. وتمتعت الشام بشهرة خاصة في صناعة الورق، وفي القرن الثاني عشر صار أكبر صناعة في البلاد لدرجة أنه كانت تُصدر منه كميات كبيرة إلى مصر. وفي مصر، وصلت أول نماذج من الورق قادمة من الشام. أما الورق المصري الخالص، فقد تم إنتاجه اعتباراً من القرن العاشر، وسرعان ما بدأ في الانتشار في شمال إفريقيا بأكمله.

وشجع مناخ مصر الجاف على حفظ الكثير من القصاصات الورقية المؤرخة بين القرنين التاسع والرابع عشر التي تم اكتشافها في معبد بن عذرا اليهودي بالفسطاط بالقاهرة داخل غرفة استخدمت كمخزن والمسماة بالعبرية «الجننيزة». وأظهرت وثائق «الجننيزة» مدى انتشار الورق للاستخدامات الخاصة الأكثر شيوعاً مثل المعاملات التجارية كأذونات الدفع والإيصالات. كما أظهرت كيف كان الورق هو المادة التي عبر من خلالها العالم الإسلامي من الأندلس إلى الهند عن وحدته. وعلى الرغم من أن الورق كان اختراعاً صينياً، فقد عدله المسلمون ثم نشروه في كل أراضيهم. وكان من أهم الملامح المهمة التي قاموا بها استخدام القالب المرن في صناعة الورق، واستخدام الخرق أو الأسمال كمصدر رئيس للحصول على خامة العجينة، وتعطين أو تخمير الخامة بإضافة الرماد، وتنقية العجينة بالمدقات التي تعمل بالجهد المائي، والتغرية باستخدام نشا الحب. وساهمت هذه التعديلات في تطور تكنولوجيا صناعة الورق وفي الانتشار المتغلغل للمنتج الجديد في الأراضي الإسلامية لأكثر من خمسة قرون.

في العام 1958 أصدر أستاذ الفلسفة عثمان أمين كتابه «رواد الوعي في الشرق الإسلامي» وحددهم في: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي السوري، محمد إقبال الهندي، لأنهم يشتركون في سمات واضحة جعلتهم، على اختلافهم في الزمان والمكان ينتمون إلى سلالة روحية واحدة؛ فهم مفكرون «جوانيون» على الأصالة.

والنظر والعمل عندهم متصلان أوثق اتصال، وهم جميعاً متفقون على أن الدين؛ في أعلى صوره ليس أحكاماً جامدة، ولا كهنوتية ولا أذكاراً، وإنما تتيسر بالدين تهيئة الإنسان المعاصر لحمل العبء الثقيل الذي يحمله إياه تقدم العلوم في عصرنا. وهم يرون الإيمان والثقة ييسران اكتساب شخصية في هذه الدنيا والاحتفاظ بها في الآخرة. وهم مشتركون كذلك في نظرتهم الجوانية إلى العلاقة بين الدين والسياسة؛ إذ يرون أن لا تعارض بين السياسة والدين لو فُهما على الوجه الصحيح، ويرون أن إصلاح الدين هو أسهل وأقوى وأقرب طريق للإصلاح السياسي. كما أنهم جميعاً؛ بعد نجاح دعوتهم لإيقاظ الوعي الإنساني أصبحوا في بلادهم من رواد الوعي القومي. غير أن عثمان أمين أمضى خمس سنوات ليبلور ما اعتبره السمة الأولى التي ربطت بين هؤلاء الأعلام، وهي ما سماه «الجوانية»؛ لذلك أصدر العام 1963 كتابه «الجوانية (دار تعليم القاهرة). وبلورها في إهدائه: «إلى القراء في الوطن العربي»؛ بعبارة «إذا كان للرأي عينان فللقلب عيون». فعقيدة «الجوانية» عند عثمان أمين هي عقيدة مفتوحة تأبى الركون إلى «مذهب» أو الوقوف عند واقع، وتتجه إلى «المعنى» و «القصد من وراء اللفظ أو الوضع وتتجه إلى «الفهم»، و «التعاطف» لا إلى الحفظ والتقرير، وتدعو إلى العمل البنّاء مؤسساً على النظر الواعي، وتلتفت إلى الإنسان في جوهره وروحه؛ لا في مظهره وأعراضه، وتدرسه في حياته الداخليه لتنفذ إلى ما هو أصيل فيه. يرد أصول الجوانية عنده: من تآكل روح الدين الأخلاقية بعامة ومن تأمل آيات القرآن وأحاديث الرسول بخاصة. وباعتبار ما كان للدين والأخلاق من سلطان على المصريين القدماء، فقد أفصحوا عن جوانيته بالإيمان واستنكارهم للتظاهر والنفاق، لذلك نقل عن أحد أعيانهم قوله: «إن أهل الصخب والضجيج من المغضوب عليهم، فصلي لربك بقلب خالص وامسك عن الكلام يستجاب لدعائك ويتقبل قربانُك».

وباعتبار أن المصريين وغيرهم من العرب، تعرضوا لموجات من الطامعين والغاصبين؛ شرقيين أم غربيين، فقد أورثوهم شعوراً بتهافت سلطان الدين والأخلاق، وبتغلغل هذا الشعور على مر الايام نُسيت «الوسطية» الإسلامية في كنهها الحقيقي ولم يبق منها إلا رسومها الظاهرة، ومن هنا كان شيوع «البرّانية»عند الناس والذي تبدى في هذا الاختلاف الصارخ بين الأقوال والأفعال، والتباين الجامح بين المظاهر وافتراق العبادات عن روح العقيدة السمحاء واستغلال أحكام الدين الحنيف في تحقيق المآرب وتبرير النزوات. ولذلك استخلص أن الجوانية فلسفة تستند إلى تزكية للوعي الإنساني وممارسة الحرية النفسية، وتسعى إلي تعميق فهمنا للمقاصد والمعاني والقيم. وبهذا الاعتبار تمارس الوظيفة الفلسفية الأصلية: التماس اللب والمبدأ والكيف والحق. إنها لا تقيس حياة الإنسان الفكرية والعاملة بالمقاييس البرانية، خصوصاً مقياس الكم الذي تقاس به المادة والذي يطفئ جزوة الحياة الإنسانية ويغرقها في لجة «الحتمية». ويناقش عثمان أمين ركائز في أخلاقية الإسلام ومسلماتها، ويعددها في: كرامة الإنسان، فكتاب الأمة الإسلامية، ينص صراحة على تكريم الإنسان وتفضيله على بقية مخلوقات الله. وكرامة الإنسان قوامُها القلب والإرادة والعقل. والمسلّمة الثانية هي مسلمة الحرية الإنسانية وما ينتج منها من مسؤولية فردية وحرية الاختيار. أما المسلّمة الثالثة فهي حسن النية واستقامة الضمير، والإسلام يقوم على استيحاء الضمير واستفتاء القلب، ويستشهد في هذا بأن النبي عليه السلام كان دائم التذكير والتنبيه إلى أن القيمة العليا للعنصر الجواني هي في الأفعال متمثلة في الإيمان، والصدق والإخلاص.

ويخصص عثمان أمين في كتابه فصلاً عن «الجوانية في أخلاق الصوفية»، وباعتبار الرسول عليه السلام قد عبّر عن الجوانية في قوله: «لكل امرئ جواني وبراني، فمن أصلح جوانيه أصلح الله برانيه، ومن أفسد جوانيه أفسد برانيه»، وهي دعوة إسلامية صريحة كان لا بد أن تشغل مكاناً من أخلاق المحققين من الصوفية المسلمين. والجوانية في الأخلاق الصوفية دعامتها وعي مستنير يتبعه عمل بناء يعتمد القيم الروحية والمثل العليا ويرى أن لا حياة لفرد ولا لجماعة من دونها. والحب هو المبدأ الأعلى في الأخلاق الصوفية، فهو لب الدين وغاية المجاهدة. كما المؤلف يخصص فصلاً للجوانية الأخلاقية عند الإمام الغزالي، فهي تتمثل عنده في أمرين؛ الأول أن يكون بحث المرء عن علم الأعمال وعما يفسدها ويشوش القلوب ويهيج الوسواس ويثير الشر. أما الأمر الثاني فهو أن يكون اعتماده في علومه على بصيرته وإدراكه وصفاء قلبه؛ لا على الصحف والكتب ولا على تقليد ما يسمعه من غيره.

ويخلص عثمان أمين إلى أن الدين هو البعد الجواني للإنسان، فالدين من حيث هو الدين يوجه الإنسان إلى ذلك البعد الجواني فيه ويدعوه إلى الإيمان بقوة غيبية فائقة ويدعوه إلى الإيمان بوجود إله قدير، ويختم بالاتفاق مع الفيلسوف برغسون في أن الإنسان «حيوان ديني» وأن الذين لا يشعرون بذلك البعد الجواني هم مثل من يعجزون عن تقدير روائع الفن الجميل لفقدانهم حاسة التذوق الجمالي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 − ثمانية عشر =