رعد الدليمي..أوان وحروف أزلية
فنون تشكيلية

تتمتع اعمال الفنان رعد الدليمي بحضور تقني ولوني لافت، اذ انه استطاع أن يطورّ في حسه الإبداعي من خلال اعماله الخزفية بالذات ليتوصل الى تكوينات وأشكال معبرة حسياً وجمالياً، ومن خلال فهمه المعاصر للاشكال ودلالاتها الرمزية والتعبيرية نرى خزفياته تجسد الحرف العربي بتكويناته المختلفة من عمل لآخر، ما ساعده في ذلك هو مزجه بين الشكل التجريدي والشكل التعبيري الواقعي ما اعطى لأعماله الخزفية بعداً فنياً ذا طابع اسلامي له قيمة فكرية بالاضافة الى اتقانه للحركة التي دائماً ما تكون ثلاثية الابعاد.

والانسيابية في سطوح تكويناته الفنية وصقلها وخشونتها أي تكنيكاتها بصورة عامة تدلل على الحس البصري والجمالي العميق الذي يتمتع به هذا الفنان. فهو ادرك تماماً ما للتجسيم من دور مهم في تأليف وتحريك العمل الخزفي الفني، حيث اعطى للتجسيم اهميته المنسابة مع الشكل انما اعطاها ليؤكد اهميتها التعبيرية ايضاً، وليجعل منها لغة نفهم من خلالها ما يريد ايصاله وما ترمي إليه اعماله وما تجسده من جماليات وتعبير ودلالة وهي حوار ممتع دائما يحاول ان يجريه بين العمل الفني وبين مشاهديه، بهذا حقق (الدليمي) معادلة كثيراً مانجدها في الأعمال الخزفية المعاصرة الا انه استطاع ان يخلق نوعاً من التوازن بين الشكل والمضمون.

واستطاع أن يجد حالة حوار منسجم  وجميل بين التكوينات و الكتل محدثة مع الفراغ تناغماً من نوع خاص،هذا التناغم تسانده قدرة عالية في المعالجة اللونية والتقنية محاولة تعتيق السطوح وتكويناتها التي أحسن صنعها لتلامس وجداننا وتثير خيالنا،‏عمليا لا توجد لدى هذا الفنان مراحل مفصولة عن بعضها تماما او انه يغير اسلوبه بين فترة واخرى، بل هناك تجارب مشتقة من بعضها البعض، اذ كانت تجربته تهدف إلى التعرف على صنعة الفن، والربط ما بين العمل اليدوي والرؤية والفكر، بمعنى ربط التغير بالشكل واللون مع الخلفية وما تشير إليه من رموز واشكال فلسفية.

اعتمد الفنان الدليمي في بنائه للعمل الفني سواء كان لوحة او عملا خزفياً او نحتاً فخارياً على أسس تعبيرية تجريدية، عملت على تعميق الربط بين الحرفة والفن، وعلى الصعيد العملي استطاع ان يجسـد الكثير من الأشياء التي فكر بها لان خبرته التقنية العالية تسهل له الكثير من الاشياء. هذه قراءتي للتجربة الذاتية للفنان (الدليمي) سواء على مستوى الصياغة الفنية أو مستوى الطرح المفهومي، اذ بامكاني هنا أن استعرض عددا من مفردات تجربته ليتضح بجلاء ان استخدامه للشكل التقليدي للإناء الخزفي، الشكل الأزلي إبداع الخزافين على مد العصور والمعبر الاساسي عن فن الخزف، يتجاوز فكرة الشكل التقليدي للآنية بوصفها عملا ينتمي إلى كم الأعمال المتحفية التي تمثل الحضارات القديمة او انها أداة من أدوات الاستعمال اليومي، بل انتقل بها الى شكل مغاير للمألوف لكي. يتخطى هذه النمطية واصبح فارضا علينا فلسفة أخرى تكسبه حضوراً فعالاً لكسر الشكل التقليدي المتوقع، وهو ما يتضح في الكثير من الأعمال التي أتى فيها الإناء مكتوباً عليه آيات قرآنية او ابيات شعرية ذات قيمة ابداعية معاصرة.