وجدي الكردي: لطفاً.. لا تدوس أي “كوز” من طرف!
وجدي الكردي: لطفاً.. لا تدوس أي “كوز” من طرف!

وجدي الكردي: لطفاً.. لا تدوس أي “كوز” من طرف!

أتوقف مُرتاباً متى ما تعثّرت بصخرة “أي كُوز ندوسو دوس”. ذلك الشعار الحائرٌ المهزول الذي طارت به الأسافير واستقر بمحفوظات السودانيين في مكتبة الفضاء العريض. فمن هو “الكوز” حتى “ندوسو دوس”، متى ما ثقفناه في “زقاقٍ ضيّق” نصرئذٍ؟!

أول عهدي بـ “الكوز” في المُنتج التراثي للسودانيين، وجدته قبل سنوات وأنا أمارس فضيلة النبش في مُتروكات الدولة المهدية وأدبها وقلّة أدبها، إشباعاً لهواية جدّت لي في “آخر العمر”.

حين طفق الجنرال البريطاني “ودهاوس” يراقب جنود الفارس عبد الرحمن النجومي وهم يتخبطون بحثاً عن جرعة ماء في طريقهم إلى “تحرير "مصر" من دنس الكفّار والمَشاركة”، كان أحد الشامتين من أهالي القرى التي غار عليها الدراويش قُبيل “معركة توشكي”، كان فرحاناً جزلاً من “الحالة الصعبة” التي حاقت بالمًغيرين من المهدوييّن، فأنشد شامتاً: “الخواجة أبو حِيلةً شديدي/ حجّر الموية خلّا الكُوز مَجيدي”!

بحثت عن “الكوز” في جمهرة أنساب العرب، فوجدت أنّ ابن حزم قد أرّخ لـ “بني كيزان”، بأنهم من سادة البصرة وأشرافها وفرسانها، وأن جدّهم “كوز بن كعب”، إنفلق عن صُلبه الوافر المعطاء، سلالة من الأحفاد البررة الأشاوس، تخصّصت في أعمال الشرطة والعسس والولاية على خلق الله في بلاد الرافدين ومصر، وربما أوف سايد بعضهم إلى “عندينا”.

المصريُون مُغرمون بـ “كُوز الذرة”. يشوُونه على النار. يتلذّذون بحبوب الكُوز، ولا يرمون “الشاسيه” أبداً. يتّخذونه حطباً للطهى وفحماً يلهب قفا “حجر الشيشة”، لذّة سائغة للمتكيّفين.
كيف لكم أيها الأشرار أن تدوسونه دُوس؟!

عدت مُجدداً لأبحث عن “الكوز”، وكيف جرى تصريفه على ألسنة السودانيين. وجدت من عبثهم ما قالته مغنيّة رقيعة حمقاء. استبدّ بها الشوق إلى حبيبها عشقئذٍ، فقالت: “حبيبي تعال تعال نندسْ/ ما دام الكوز اختلس بالدس”. ولا تنس يا صاح، إنّ الكوزة مثنى كُوز في قواميس اللغة والسياسة والمجتمع على حد سواء.
هل اقتربنا من “الحالة الكوزية” في تصريفها السوداني؟!

حَكَى بلدياتي “فكري أبو القاسم” وهو رجل مُسلم. شديدٌ بياض قلبه، لديحٌ مع خصومه ولضيض على الكافرين بالإنسانية من كل الأديان. حَكَى إنّ مصطلح “الكُوز” دخل في خدمة السياسة والمجتمع منذ ستينيّات القرن الماضى، مُقتبساً من مقُولة منسوبة لأحد مؤسسي حالة الكوزنة اللاحقة، حَكَى: “الدين بحرٌ، ونحن كيزانٌ له”.

لم ينس فكري، أن يعلّق اجترار المصطلح على ألسنة “اللّي يسوي واللّي ما يسواش” في رقبة الشيوعيين. حَكَى إنهم من وظّفوا كلمة “الكوز” في معاركهم ضد الإسلام السياسي، “رغم أنه مصطلح يخلو من أي مضمون فكري جاد يمكن الإستناد عليه، بل يكاد يقترب من لازمات مصاطب الكرة”. ومع ذلك: “نجح إلى حد ما في سحب بساط التقديس الذي تدثّر به سياسييّ الحركة الإسلامية”!

أعلم رعاك الله وأصلح من شأن كوزنتك، أن تفكيك “حالة الكُوز” سيواجه إشكالاً مُعقداً في الفرز والتصنيف بين القاموسين السياسي واللُّغوي. “هناك كُوز طلس، كُوز ألمنيوم، كُوز من ذهب لا يصدأ، كُوز من فضة بمقدوره قتل السموم وتجميعها في القاع. وهناك نوع رديء من كوز الصفيح، فارغ المحتوى”.
خلّي بالك..

حَكَى شاعر مطموس: (كُوز المحبة اتخرم/ أديني حتّة لحام/ حبيبى كفاية جفا/ وارحم عذاب أمي/ كل البنات اتجوزت/ وأنا قاعدة عند أمي)!
تُرى هل سيموت “الكوز” سياسياً وأصبعه يلعب؟!
وجدي الكردي

المصدر : النيلين