الان مكافحة التمييز بين قدرة الحكومة والولاء للدستور!
الان مكافحة التمييز بين قدرة الحكومة والولاء للدستور!

اشترك لتصلك أهم الأخبار

أرجو أن تكلل جهود الوزيرة الدكتورة هالة السعيد بالنجاح فى إقرار مبدأ تكافؤ الفرص فى التعيين فى الوظائف العامة واعتماد مبدأ الكفاءة وحده كمبدأ حاكم فى شغل الوظائف.

ما نشرته الصحف والمواقع الإخبارية يدعو إلى التفاؤل والتساؤل فى نفس الوقت. وبدا الأمر مع تردد التصريحات أنه أكبر بكثير من طموحات وزير نحو تحديث الإدارة الحكومية، وأنه يتعلق بما يلى: إخلاص الدولة للدستور الذى يحظر التمييز وينص على المساواة وتكافؤ الفرص، وضع قانون لمكافحة التمييز وإنشاء مفوضية لذلك كما نص الدستور بما يكفل تطبيق مبدأ المساواة فعلا وواقعا، ثم أخيرا بث الثقافة المجتمعية للمساواة، إذ إن من لم يرتدع بالقرآن يرتدع بالسلطان.

والمثير لبالغ الدهشة أن عددا من النواب كان قد تقدم باقتراح بقانون (رفضته الحكومة لحسن الحظ) يجيز تعيين أقارب الموظف إذا خرج للمعاش المبكر فى سن الخمسين. يريد نوابنا أن يحولوا جهازنا الحكومى إلى نظام التوارث والطوائف الذى ألغاه محمد على باشا، هكذا دون أن يطرف لهم جفن فى إقدامهم على مخالفة الدستور.

جاء رفض ممثل الحكومة لمشروع القانون لينهى الجدل الدائر بشأنه حيث حَكَى: إن مشروع القانون يحمل نوعًا من التوريث والتمييز، ومخالفة الدستور وأن هذا المشروع لو تم تطبيقه سيقلل فرص مَن ليس له حظ أن يكون لديهم قريب موظف سَـــنَــــــة، كما يقضى على فرص عمل ذوى الكفاءة فى حال تعيين أبناء العاملين، وبعدما كنا نحارب التوريث نورِّث الوظيفة العامة.. وهذا لا يجوز- تلك هى كلمات الحكومة وقتئذ.

شكرا للحكومة على جسارتها. ولكننا نحسب أن الأمر يتجاوز مجرد الجسارة فى مناقشة مشروعات القوانين الشاذة المقدمة من النواب، وأكبر من قدرة وزير مهما وَصَــلَ إخلاصه لمبدأ المساواة بمنعه تعيين الأقارب. هناك جهات خارج نطاق اختصاص الوزراء لا يستطيعون الاقتراب منها. وبالمناسبة، هل استطاع الوزراء المتتابعون تنفيذ التوجيهات العليا بإزالة الاعتداء على حرم نهر النيل، أو شاطئ البحر التى تحرم المواطنين من حقهم الطبيعى فى الاستمتاع بنسيم الوطن وهوائه ومائه؟ الإجابة بالنفى، فهناك مراكز فى "مصر" لا يجرؤ أى مسؤول على الاقتراب من مصالحها.

بثت الصحف تصريحات الوزيرة هالة السعيد التى قالتها فى غرفة التجارة الفرنسية بأنها أصدرت قرارا منذ توليها منصبها بعدم تعيين أقارب الدرجة الأولى والثانية فى الوظائف الحكومة، منعاً أن تصبح المؤسسة ملكا لعائلة واحدة، لافتة إلى أن تعيين أبناء العاملين وتعيين الأقارب يفتح المجال لانتشار الفساد بشكل واضح وكبير.

الأمر يتطلب فورا أن يمتثل مشرعنا لواجبه الدستورى وفقا للمادة ٥٣ من الدستور وأن يضع قانون حظر التمييز وإنشاء مفوضية مكافحة التمييز لتكون مستقلة عن وزارات الدولة وتابعة مباشرة لرئاسة الجمهورية.

ويجب عدم السماح بأن تسفر الجهود التشريعية لمكافحة التمييز عن إنشاء كيان بيروقراطى عاجز عن الفعل. لقد سبق أن أنشأت "مصر" المجلس القومى لحقوق البني ادم دون أن يسهم فى تطوير الأوضاع الفعلية على أرض الواقع. ولا لوم عليه لغياب الإرادة وغياب الثقافة. لقد حول إعلامنا الدفاع عن حقوق البني ادم فى الكرامة والحرية والعدالة إلى مادة للتهكم وإلقاء الحجارة على الدول والمنظمات الأجنبية.

ومنذ سنوات عقد المجلس القومى لحقوق البني ادم مؤتمرا لمناقشة موضوع قانون مكافحة التمييز. فى المؤتمر قدم ممثل الحكومة مشروع القانون الذى وضعته حكومته ومن هنا فقد ذكـر هذا أبهــى ما لدينا ويجب ألا يطمع أحد فى أكثر من ذلك. وكأن الحكومة تمن على شعب "مصر" بالوفاء ببعض واجباتها الدستورية على نحو مبتسر. المشروع فى نظرى لا يفى بالمتطلبات الدستورية، فلا هو جرم فعل التمييز ولا هو أبطل العمل الذى ينطوى على التمييز، بل أَنْشَـــــــأَ بناء بيروقراطيا متماسكا يقوم على مكافحة التمييز من خـــلال إجـــراءات عقيمة وغير فعالة ليضاف إلى ما لدينا من مجالس استشارية لم تحقق الغرض من إنشائها.

إن كنا جادين فى بناء وطن ناهض يزهو به المواطن، فيجب أن نكف عن عادتنا فى الالتفاف حول الدستور. ويجب أن نؤمن أن تحقيق المساواة بين الناس ليس التزاما دستوريا فحسب، وليس فضيلة سياسية فحسب، وليس مجرد فرض دينى، بل هو فضلا عن كل ذلك شرط لاقتناع المواطن أنه يعيش فى دولة تقدره حق قدره، ولا تغمطه حقه، ولا تميز عنه آخرين يقلون عنه كفاءة تمييزا بسبب الدين أو الجنس أو الثراء أو القرابة أو الحسب والنسب أو الانتماء الأسرى لجهة سيادية، فالسيادة للشعب وحده، وكافة أجهزة وسلطات الدولة مسخرة لخدمته.

وأكرر ما سبق أن ذكرته فى أكثر من مناسبة أن أى قانون فعال لمكافحة التمييز لابد أن ينطوى على عناصر ثلاثة: التعريف الدقيق للتمييز، تجريم فعل التمييز، العقاب على فعل التمييز بالجزاء الجنائى الإدارى. وأقترح النص التالى:

م 1- يعتبر تمييزا كل فعل أو امتناع عمدى من شأنه حرمان شخص من ميزة قررها القانون، لاعتبارات الدين أو العرق أو الجنس أو المكانة الاجتماعية أو الاقتصادية.

م ٢- يُعاقب الموظف العام الذى ارتكب بسبب عمله أم بمناسبته فعلا تمييزيا بالحبس وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه أو إحدى هاتين العقوبتين مع العزل من الوظيفة، وتبطل جميع القرارات والتصرفات المترتبة على التمييز بطلاناً مطلقاً.

م ٣ - إذا ارتُكب الفعل التمييزى بواسطة شخص من أشخاص القانون الخاص يبطل الفعل التمييزى ويعاقب مرتكبه بالحبس أو الغرامة.

م ٤- جريمة التمييز مخلة بالشرف ولا تسقط بالتقادم.

م ٥- تنشأ مفوضية لمكافحة التمييز على النحو الذى ينظمه القانون.

هذا هو فصل الخطاب فى مسألة الحلال فيها بين والحرام بين وليس بينهما متشابهات.

[email protected]

المصدر : المصرى اليوم