الان «ليه إحنا كده»؟!
الان «ليه إحنا كده»؟!

اشترك لتصلك أهم الأخبار

-١-

أستعير تساؤل السيد الرئيس فى حواره مع شباب العالم فى منتدى الشباب بشرم الشيخ، ثلاث كلمات تحمل دهشة وقلقا. ثلاث كلمات تتطلع للأمل وتدين الواقع الغافل والجاهل، ثلاث كلمات تطارد التخلف وتشكو عفونة العقول. ثلاث كلمات تحاصر أسباب تخلفنا عن عالم يسبقنا بمراحل. ثلاث كلمات تشى بالتعجب والألم وتحمل فى طياتها أملا. وحين ينبرى قلم ويفكر خارج الصندوق وينبه ويحذر ويدق ناقوس الخطر، فليس بمقال أو مجموعة مقالات ما يحرض القيادة السياسية على اتخاذ قرار ما أو توجيه علوى ما.

ذلك أن القيادة السياسية تحتاج إلى زخم من المعلومات وفى نفس الوقت الإجابة عن السؤال الأهم وهو: ما آليات التنفيذ وآليات التمويل. ساعتها تقتنع الإرادة السياسية بـ«التوجيه». هذا فى ظنى المتواضع ما أتصوره فى التركيبة النفسية لرئيس البلاد.

وكنت قد بدأت شبه حملة أى أنى كتبت فى ذات الموضوع مرات وليس مرة واحدة. كنت قد رجوت القيادة السياسية النظر فى الكشف الصحى النفسى لأولادنا فى المدارس وقلت إن المرض النفسى كامن ولا يفصح عن نفسه وطالبت بتعميق «مجالس الآباء» داخل المنظومة التعليمية وطالبت بعودة العيادة النفسية للمدرسة المصرية وطالبت بالاهتمام بحالات تتنبأ بالمرض النفسى أسوة بالمدارس الدولية فى "مصر". وقلت إن منظمة الصحة العالمية تعطى الصحة النفسية مساحة كبيرة من الاهتمام، أما نحن فلا نمنحها نفس ذات الاهتمام مما يدعونى أن أردد وراء السيد الرئيس «ليه إحنا كده»؟!

-٢-

لكن الطبيبة النفسية الكبيرة د. هبة عيسوى قوضت نظريتى وقالت بحسم لا ينقصه الصراحة «العيادة النفسية» فى المدرسة تفكير قديم عتيق تجاوزه الزمن! والبديل عند د. هبة عيسوى ما يصلح أساساً للنقاش أو محوراً لحوار مجتمعى بين أطراف عدة هو «الاكتشاف المبكر لأعراض المرض النفسى» وترى د. هبة أن الاكتشاف المبكر يمنع الصدام المؤجل ويمنع بالضرورة استفحال الحالات المرضية.

ولما كان العلم فى حالة تطور ولا ثبات مطلقاً، فقد اهتمت هبة عيسوى بما يسمى «اضطرابات الغذاء النفسية» حيث إن الأم فى بلادنا تكافئ ابنها بما يدخل فمه دون تريث ولا يهم أن يسمن الطفل ويتحول إلى مشكلة لأهله ولنفسه! ترى د. عيسوى «زميل الجمعية الأمريكية للطب النفسى» أن الأطفال والمراهقين فى المدرسة يسهل اكتشافهم مبكراً دون الحاجة إلى خروج التلميذ من الفصل للعيادة النفسية وقد اعتادت بلادنا أن تطلق على التلميذ أو التلميذة «المجنون» إذا قصد العيادة النفسية أو تردد على طبيب نفسى. تلك نقطة فى غاية الأهمية وهى «مكان» الطب النفسى فى الوجدان المصرى. إنه مرتبط فى الأذهان بالجنون! ترى الطبيبة النفسية الكبيرة أن العالم سبقنا فى المقاييس الخاصة بالصحة النفسية خصوصاً فى سنوات الحضانة، فالمرض النفسى يولد مع الطفل وقد يورث. هناك عدد من الأسئلة تطرح فى حضرة الأم والنتائج ترسم الصورة. التخصص الدقيق الذى اشتهرت به الصناعة اليابانية ومن قبلها الصناعة الألمانية، صارت شائعة فى العلم بعد أن دخلت التكنولوجيا حياتنا وجلبت معها، رغم الفائدة أمراضاً جديدة لم تكن من قبل!

-٣-

لم أكن أعلم أن ٨٪ من أطفالنا يعانون من «فرط الحركة» مما نسميه فى بلادنا «شقاوة» وهى مرض نفسى. فالولد أو البنت «يتحرك بشدة فى الصحو أو النوم وكأن فى قدميه موتور»، إن الفترة الهشة تكشف فى وقت مبكر مدى الاستعداد للمرض النفسى مثل التلعثم وعدم التركيز. المهم أن مقياس الصحة النفسية العلمى يكشف عن «عدم التمتع بقدر مقبول من الصحة النفسية» هنا من هنا فقد نوَّهْت منظمة الصحة العالمية إلى فكرة «الرعاية» وهنا دور الإخصائى النفسى المراقب.

فى "مصر"، مدارس وتأمين صحى وأمانة عامة للصحة النفسية ومستشفيات جامعية، كل هيئة من هؤلاء تصلح أن تكون مدخلاً للمبادرة بالمهمة: الاكتشاف المبكر لأعراض المرض النفسى. إن مشاكل اضطرابات التغذية ظاهرة جديدة وخطيرة، ففى "مصر" ٣٥٪ من البالغين والبالغات والمعاناة من السمنة ولهذا يستفحل «التنمر» نحو السمان!

إن الاكتشاف المبكر الذى تنادى به د. هبة عيسوى سابق على العيادة النفسية، إن ظاهرة انتحار البالغين ليست وليدة اللحظة فلها مراحل تدور فى عقل البالغ والاكتشاف المبكر هو «مانع الصدمة» والمجتمع المصرى متخلف فى فهم دور الطبيب النفسى، فالذين يذهبون لإدارات الكشف الصحى والنفسى من راغبى الزواج ١٠٪ فقط، ظناً أنها «أمور خاصة لا يصح أن تطّلع عليها الدولة».

-٤-

إن فكرة الشغب والمشاغبين سبقت مسرحية المشاغبين لأن المرض النفسى قديم وأعراضه إذا اكتشفت مبكراً تجنبنا السلوكيات الحادة! لا يجوز- إنسانياً- أن يأخذ التنمر صورة قاسية نحو تلميذ بأن يشار عليه فى حوش المدرسة «المجنون أهه» لمجرد أنه زائر للعيادة النفسية! من هنا كان التنوير ضرورة وهذا ما أحاول أن أطرحه بكل تواضع فى هذه المقالات، وللعلم فلست أكتب بانتظام فى هذا الموضوع: الكشف الصحى النفسى على تلاميذ مدارسنا جوووول لانتباه القيادة السياسية لما أكتبه. ليس هذا صحيحاً، فأنا أسعى- ككاتب له قلم- إلى إشاعة مناخ التنوير ولا أقول التنوير لأن التنوير مــهـــمــة مجتمع كامل. والقيادة السياسية الواعدة والواعية لن تغفل «صحة أولادنا النفسية». إن قيمة المدرس التربوى كبيرة فهو الذى يعرف أنماط السلوك. الولد الشقى أو المتردد أو الذى تعرض لعنف أو من يحيا تفككاً أسرياً. وإذا كانت القيادة السياسية قد انتبهت لذوى الاحتياجات فهناك من هم ذوو الاضطرابات العقلية من توحد أو تلعثم أو انطواء. إن هذا كله يدخل تحت شعار «قادرون بالاختلاف»، ومن هنا كان من الضرورى أن يكون أحد مصوغات تقديم أوراق أولادنا- من الجنسين- للمدرسة شهادة اِظْهَـــــرْ مبكر لصحتهم النفسية. نحن نكتفى بإيماءة لو كان أولادنا يأكلون فى أى وقت بل نفرح لأن «نفسهم مفتوحة» دون أن ندرى أن لهذا وصفا علميا اسمه «النهم الليلى» ويمثل نسبة ١٧٪!! لقد أجريت فى الولابات المتحدة الامريكية وفنلندا تجارب معملية نفسية وكانت النتائج تشير إلى دور التغذية فى اضطرابات السلوك، ربما كانت ظاهرة غير مدرجة ولكنها قائمة.

-٥-

إن للتكنولوجيا تأثيرا على المدى البعيد على البيت المصرى قيد دراسة العالم المتمدن، فلا يجب أن ننظر إلى نتائج هذه الدراسات ببلاهة وعدم انتباه. إن أول مظاهر هذه الآثار هو الانقسام فى البيت الواحد، كل عضو فى الأسرة «متوحد مع الموبايل» كل واحد مشتبك بعالمه الخاص فـ... «اللمة انفرطت»!.. ومن خِــلَالَ ذلك أصبحت الأم لتشغل بال ابنها ويعفيها من شقاوته وطلباته المتكررة تفضل أن تلهيه بالفرجة على افــــلام الكارتون المثيرة لتريح دماغها وبدلاً من زيادة التواصل الاجتماعى تدفعه للتوحد!! وما يجرى هو إدمان للشاشات! أحياناً تزداد كهرباء المخ فيحدث السلوك العدوانى غير المتوقع، نصف هذا النموذج بأنه قليل الأدب مش متربى والحقيقة أن أعراض المرض النفسى.. لم تكتشف بشكل مبكر!.

-٦-

لابد- فى قضية التمويل- من شركاء فى الوطن، فليس هناك أغلى من كون أولادنا بلا مشاكل نفسية تعوق مسيرتهم، وقد تستفحل حين يكبرون. لابد- كما ترى د. هبة عيسوى- من الطرق على كل الأبواب: رجال الأعمال وشركات الأدوية المهتمة بالعقار النفسى، فالدولة لن تكون الممول الوحيد فى ظروف "مصر" الاقتصادية والاكتشاف المبكر الجــديـد بديلاً عن العيادة النفسية التقليدية.

إن العقد النفسية التى تحكم العالم العربى من أول السلم إلى أعلى سلم هى نتيجة تراكمات لم تكتشف ولم تفصح عن نفسها إلا فى مراحل متأخرة، لكن ابن خلدون يقول «إن المرض النفسى أصل كل العلل» وهو حقاً محق.

المصدر : المصرى اليوم