الان هوامش على ذكرى عملية السلام ونهج حياتنا
الان هوامش على ذكرى عملية السلام ونهج حياتنا

اشترك لتصلك أهم الأخبار

لاشك أن حدث عملية السلام المصرية- الإسرائيلية، إذا بدأناه منذ زيارة السيد الرئيس الراحل أنور السادات للقدس، وما تلى ذلك من مُحَـادَثَـاتُ متعددة اختُتمت بمعاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية، التي حلت ذكراها هذا الأسبوع، هو حدث ضخم وكاشف للكثير من جوانب حياتنا السياسية والعقلية، ومازلت أؤمن بأن العالم العربى لم يراجع بشكل هادئ وموضوعى ما حدث حتى الآن، وأظن كذلك أغلب المصريين.

سبق زيارة القدس بعض الصخب الذي صاحب اتفاقيات فك الاشتباك التي تلت حرب أكتوبر على الجبهتين المصرية والسورية، وكنت آنذاك عند زيارة القدس في مستهل عامى الدراسى الأخير بقسم السياسة بجامعة الــــقاهــــرة، حيث وجدت نفسى في قلب حالة جدالية واسعة مصحوبة بصراخ وعويل لم تكن في العالم العربى فقط، ولكن أيضًا في الأوساط السياسية والثقافية والطلابية المصرية، ما دفعنى إلى أن أعالج حالة الاستغراق الكامل في متابعة هذا الأمر بالطريقة التي يميل إليها تكوينى، وهى أن أدرس وأتخصص في دراستى العليا في موضوع المفاوضات الدولية، وكان من حسن الحظ أن تكون خدمتى الأولى بعد ذلك بعدة سنوات قليلة بالولايات المتحدة، ما أتاح لى الاستغراق في الكنز المعرفى لهذا الموضوع، الذي يؤسفنى أننا مازلنا في "مصر" والعالم العربى من ذوى الإسهام المنخفض فيه، وقد نلت بالفعل درجة الدكتوراه في موضوع نظرية التفاوض الدولى ودراسة حالة المفاوضات المصرية- البريطانية لدراسة النسق التفاوضى المصرى، بعد أن اعتذرت الجامعة عن أن تكون الحالة المصرية- الإسرائيلية هي الحالة الدراسية، من وجهة نظر أساسها أن الحادث مازال ساخنًا ومُحمَّلًا بالمواقف السياسية، ما يعوق دراسته بشكل علمى متجرد، ولم يمنعنى هذا من إشارات مــهـــمــة ومركزة بينـمـــا يتعلق بنموذج المفاوضات المصرية- الإسرائيلية.

بعد ذلك، ومع زخم الحياة، اكتفيت ببعض القليل، الذي نشرته في مواضع مختلفة حول هذا الموضوع، وستُبث لى قريبًا دراسة علمية مختصرة حول تقييم الأداء التفاوضى المصرى لهذا النموذج، أما هنا، ولكثرة هوامش هذه القضية، فسأكتفى بمناقشة النهج العقلى الذي ساد الحياة السياسية والفكرية المصرية والعربية خلال هذه المفاوضات وما بعدها، ولم يسهم إلا في مزيد من الاضطراب العقلى والسياسى في منطقتنا، وكرّس من نهج مختل في معالجتنا للأمور.

هالَنى في عملى بعدد من الدول العربية والشؤون العربية أن كثيرين من العرب لم يتجاوزوا النقاش الانفعالى، الذي عرفته الساحتان المصرية والعربية في السنوات الأولى لما بعد توقيع معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية، وفى الواقع أن ما أريد أن أتوقف عنده اليوم هو بعض الأبعاد الملتبسة بهذا الصدد، ولست هنا بمعرض التقييم لهذه المفاوضات، تاركًا ذلك لموضع آخر كما سبق.

أول هذه الأبعاد الملتبسة هو تصور كثير من العرب والمصريين آنذاك، وبعضهم حتى الآن، أن المفاوضات استسلام، وكأن فعل التفاوض ذاته يعنى التنازل، وأذكر أننى واجهت مسؤولًا عربيًا يردد ذلك منذ عدة سنوات، حيث اضطررت أن أشرح له ببساطة أن التفاوض ليس إلا إحدى أدوات السياسة وزير الخارجية كالحرب، وأدوات الضغط المختلفة كالاقتصادية مثلًا لتحقيق الأهداف المختلفة للدولة، وعزّز من هذا النهج في التفكير تصور البعض أن مجرد التفاوض مع دولة الاحتلال الاسرائيلي يعنى القبول باغتصابها الأراضى المحتلة والحقوق الفلسطينية، ومَن يستغرب هذا التفكير عليه أن يتذكر مقولة الزعيم مصطفى كامل التي رددها البعض بإعجاب، دون مناقشة مثاليتها وأوهامها، وهى: لا مُحَـادَثَـاتُ إلا بعد الجلاء، لم يسأل أحد من مؤيديه آنذاك: كيف هذا وسوف يكون مجرد الضغط والرفض دون مُحَـادَثَـاتُ ولا قتال سبيلًا لتحقيق هذا الجلاء؟ وعمومًا تجاوزت "مصر" هذا بثورة 1919، ثم بتشكيل وفد للتفاوض كما نعرف، كما لم يسأل هؤلاء أنفسهم عن أدوات العالم العربى والإسلامى في مكافحة الحروب الصليبية، وأنها كانت الحرب والتفاوض، كما لايزال هناك البعض الذين يرون تأجيل التفاوض لحين تغيُّر الظروف الدولية الراهنة التي تكرس استمرار دولة الاحتلال الاسرائيلي، دون انتباه إلى أن استمرار هذا الوضع يزيد تعقيد الأمور وليس حلحلتها. أما الهامش الثانى المهم، الذي أكتفى به لضيق المساحة، وهو الأخطر، فهو أن يسود النقاش العاطفة والانفعال، وهو أمر لم يتورط فيه المعارضون فقط، وإنما أيضًا كثير من المؤيدين، ما جعل الساحة آنذاك ساحة يغيب عنها التفكير الرشيد، والبحث في تقليل الخسائر وتعظيم الْمَكَاسِــبُ، وللأسف فإن جانبًا كبيرًا من الخسائر العربية المضاعفة في أعوام الثمانينيات، والتى قادت بدرجة كبيرة إلى ما نحن فيه الآن، هو نتاج لهذه الحالة غير الرشيدة في إدارة الخلافات.

المصدر : المصرى اليوم