الان الرجوع إلى الضاد
الان الرجوع إلى الضاد

اشترك لتصلك أهم الأخبار

اللغة العربية، لغة الأعراب والإعراب، لغة حرف الضاد الذي ميزها عن سائر اللغات الأخرى.

لغة القرآن والبيان وسيد الأنام، لغة التوحيد والتفكير والتدبير التي أُنزِلت وفُسِّرت شريعة الإسلام بها، فإذا بَطُلت اللغة أو سقط إعرابها الشارح لمعانيها بَطُلَ الشرع وما يؤخذ منه من أحكام ومعاملات، كما قد حـذر الإمام أبوحيان التوحيدى.

لغة المعلقات السبع وأشعار المتنبى وأدب طه حسين والعقاد ونثر المنفلوطى والرافعى، التي وصفها أمير الشعراء أحمد شوقى مفاخراً بأن «الذى ملأ اللغات محاسناً جعل الجمال وسره في الضاد».

لغة العرب وحصن قوميتهم ودرعها والمفتاح الرئيسى لتوحيد صفوفهم عندما تتزن العقول وتستقل الإرادات.

ولكن العربية الآن في خطر شديد ومتنامٍ من عدة مصادر ومحاور، خاصة من الهجوم الضارى على اللغة الفصحى للتحول والانسلاخ عنها أو كحد أدنى للتخفيف من قواعد نحوها وصرفها وإملائها وجعلها مسخاً أو هجيناً من اللهجة العامية. ولا يأتى هذا الخطر من تناقص عدد متحدثى العربية الذين يُقَدَّرون بأكثر من 420 مليون نسمة ويتزايدون، إنما من سعى أهلها بجهل أو بعلم أو بغرض على تحويرها وتحريفها بعدة أساليب، أخطرها التغريب، أي إدخال المصطلحات غير عربية الأصول عليها رغم أنها أغزر اللغات مادةً وأيسرها إضافةً عن طريق قواعد الاشتقاق اللفظى الحاكمة لها، فقد كان معجم لسان العرب لابن منظور يحتوى على أكثر من 80 ألف مصطلح منذ القرن الثالث عشر ميلادى مقارنة بأول القواميس الإنجليزية المنسوب إلى صموئيل جونسون في القرن الثامن عشر الميلادى الذي لم يجمع إلا 42 ألف كلمة.

ولا يعنى ما سبق مساندة الجمود والانغلاق على التراث اللغوى القائم لأن سُنَّة اللغات هي التطور بإضافة المصطلحات الجديدة المطلوبة لمواكبة تغيّر العصور والمجتمعات فكرياً وعلمياً، لكن العِلّة تَكمُن في أسلوب معالجة هذا المطلب المشروع والمستمر، فهل يأتى الحل بالاشتقاق اللفظى من أصول عربية أم التهجين، أي الخلط بين الأصل العربى والمشتق الخارجى، أم بالإضافة الكاملة للألفاظ والمصطلحات غير العربية إلى صلب اللغة بدءاً بالحديث ثم إدخالها بالتداعى إلى النص المكتوب؟

وقد يتساءل أو يعترض البعض على أهمية الموضوع، فاللغة وسيلة اتصال أياً كانت تركيبة مصطلحاتها ومصادر أصولها، وأن المعيار هو سهولة الفهم والاستخدام لا التأصيل والتزمت ولكن الموضوع أعقد وأخطر من ذلك، لأن اللغة هي منبع الهوية ومصدر فهم الدين السليم، فإذا تهدمت قواعدها فستكون التبعات السياسية والدينية والاجتماعية كبيرة ومريرة، لذلك تجد كل الشعوب القوية والمتقدمة شديدة الفخر والاعتزاز والتمسك بلغتها.

وقد لعب الاستعمار الأجنبى دوراً كبيراً في الغزو الفكرى واللغوى للمجتمعات العربية والإسلامية لأن احتلال الأراضى واستغلال شعوبها ومواردها يَسهُلُ كثيراً إذا تمت السيطرة الذهنية على عقول أهلها بطمس هويتهم وتاريخهم وتراثهم وإقناعهم بتفوق الحضارة الوافدة المُسْتعمِرة عليهم مما يستتبع منطقياً تحبيب الانخراط فيها وقبول احتلالها كوسيلة للخروج من الظلمات إلى النور، وكان الاستعمار الفرنسى للمغرب العربى، خاصة في الجزائر الشقيقة التي اعتبرها جزءاً لا يتجزأ من الوطن الأم، مثالاً فجاً لذلك، فقد جعل من الإلمام باللغة والعادات والتقاليد الفرنسية جواز السفر الضرورى لأى مواطن يريد التقدم المادى أو الوظيفى تحت حكمه، إلا أن الدولة الفرنسية فشلت كغيرها من القوى المُسْتعمِرة في تدمير لغات وهويات أهل مستعمراتها لفطرة تلك الشعوب وحرصها على التمسك بأصولها في مقاومة المعتدى.

والعجيب في الأمر أن الاستقلال أدى إلى تنامى لا تراجع «عقد الخواجة» تجاه اللغات والثقافات والمنتجات الأجنبية، خاصةً الغربية، بشكل يزداد اختلالاً وسفهاً بمرور الأيام، فزادت الهرولة إلى ترك الثوابت الحضارية وعلى رأسها اللغة، حتى صار تعلم اللغة العربية الفصحى بقواعدها ونحوها وصرفها ومحسناتها البلاغية نوعاً من التزيد ومن العبء الثقيل غير المبرر على النشء الذي يتكاسل ويتساهل الأهل في فرضه عليهم ويؤثرون بل يتباهون بتعليمهم اللغات الأجنبية التي يرون في إتقانها الدليل على علو المكانة الاجتماعية والسبيل إلى الترقى الاقتصادى، ويصل الغلاة منهم إلى اعتبار العربية الفصحى لغة ميتة انتفى زمنها والحاجة إليها كما حدث للغة اللاتينية من قبل التي هيمنت في زمن الإمبراطورية الرومانية حتى سقوطها ثم صار استخدامها في هذه الاونةً مقصوراً على الكليات اللاهوتية ودارسى التاريخ القديم.

وقد حيث قد أَرْدَفَ عصر الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعى النابعة منه ضربة جديدة موجعة للغة العربية التي لم تستطع الاستحواذ إلا على 4% تقريباً من مداخلاته ومعاملاته في انعكاس واضح لتدنى دور العرب الحضارى والعلمى والاقتصادى كما زاد من التحريف والتبديع في الإضافة إلى مفرداتها فزاد من حجم وحجج المُنَادين بهجرتها، ولكننا يجب أن ندرك ونعى أن الأمم والشعوب التي تفقد هويتها تفقد بوصلتها ولا ينفع معها إصلاح سياسى واقتصادى، واللغة العربية هي الأصل الراسخ في هويتنا وتراثنا وتاريخنا وديننا، وإن هدمها أو إضعافها لا يخدم إلا من لا يريد الخير والتقدم لهذا البلد.

المصدر : المصرى اليوم