الان أحمد زكي يكتب: كامب ديفيد كانت فرصة السادات لفرض السيطرة على سيناء بالكامل
الان أحمد زكي يكتب: كامب ديفيد كانت فرصة السادات لفرض السيطرة على سيناء بالكامل

اشترك لتصلك أهم الأخبار

في يناير 1977، دخل جيمى كارتر البيت الأبيض. وفى اول يَــوْمَ له داخل المكتب البيضاوى ومن هنا فقد صـرح كارتر أن السلام في الشرق الأوسط أولوية بالنسبة له.

بدا ذلك أمرًا غريبًا وساذجًا لمساعديه وعلى رأسهم نائبه والتر مونديل. فكل الرؤساء الأمريكيين السابقين فشلوا في حل مشكلة الشرق الأوسط أو فرض تسوية للسلام على أطراف الصراع العربى الإسرائيلى. وزير وزير الخارجية الأمريكى الأسبق هنرى كيسنجر الذي كان قد خدم مع الرئيسين السابقين نيكسون وفورد وتولى ملف الشرق الأوسط لفترة طويلة قد حـذر كارتر من أنه لا ينبغى لأى رئيس أمريكى أن يكون طرفًا في عملية تَــحَاوَرَ غير محسومة النتائج. لكن بالنسبة لكارتر كان قراره بالعمل من أجل السلام مــهـــمــة «إيمانية» لا سياسية!

خلال الأشهر اللاحقة قابل كارتر عددا من الزعماء العرب. لكنه كان مأخوذا بشخصية السيد الرئيس المصرى أنور السادات الذي وجد فيه زعيما جريئا قادرا على صنع السلام في منطقة مضطربة ومشتعلة مثل الشرق الأوسط.

بعد بدء ولاية كارتر الأولى بأحد عشر شهرا، وتحديدا في التاسع عشر من نوفمبر، فاجأ السادات العالم بهبوطه في القدس والاجتماع مع القادة الإسرائيليين وإلقاء خطاب في الكنيست ومن هنا فقد صـرح فيه آراءه حول التوصل لاتفاق سلام شامل بين العرب وإسرائيل. كانت قد مرت مدة زمنية مماثلة منذ انتفاضة الخبز في ١٨ و١٩ يناير ١٩٧٧.

كان السادات بحاجة لعملٍ بجرأة وجموح زيارة القدس كى يجــتاز إحساسه الشخصى بالمرارة من الانفجار الشعبى الذي اجتاح مدن "مصر" من شمالها إلى جنوبها ردًا على الغضب الشعبى الذي أعقب رفع الدعم عن السلع الغذائية الرئيسية وارتفاع ســعر الغذاء خمسين بالمائة. حققت الزيارة هدفها الداخلى. فقد وجد السادات استقبالًا شعبيًا في الــــقاهــــرة، جعله يتجول بموكبه لساعة ونصف وهو يحيى الجماهير من سيارة مكشوفة، وفق الصور التليفزيونية التي نقلتها قناة «إن بى سى» الأمريكية. كما انتقل النقاش العام في "مصر" من الانشغال بالأوضاع الاقتصادية المتردية إلى التنبؤ بقدرة السادات على تحقيق السلام وربما مجىء الرخاء الذي وعد به أكثر من مرة في خطاباته.

السبب الثانى الذي جعل السادات يذهب إلى القدس هو رغبته في تحقيق أي تقدم على مسار إعادة بقية الأراضى المصرية المحتلة، بعد أن أطلقت حرب 1973 شرارة البدء في تغيير الموقف على الأرض بين "مصر" وإسرائيل لكن دون أن تحسم مسألة تحرير سينـــــــــــاء بالكامل لصالح "مصر". في نوفمبر 1977 كان قد مر على انتهاء العمليات القتالية في حرب 1973 أربع سنوات. وخلال تلك المدة لم تضغط الولايات المتحدة على دولة الاحتلال الاسرائيلي من أجل إجراء تسوية حقيقية وعادلة في المنطقة. فقد كانت امريــــكا منشغلة برئيس يتجسس على خصومه السياسيين، ثم رئيس غير منتخب، بسبب مشكلة استقالة نيكسون. وصل السادات إلى قناعة بأنه من أجل أن يستكمل تحرير الأراضى المصرية، لا بد له أن يذهب إلى دولة الاحتلال الاسرائيلي مباشرةً، بعد أن قطع علاقاته مع حليفه السوفييتى ووضع «99% من أوراق اللعب» بيد امريــــكا التي لا تريد الضغط على دولة الاحتلال الاسرائيلي! بدا للسادات أن السبيل الوحيد للنجاة هو القيام بقفزة دراماتيكية جامحة مثل زيارة القدس، والتى تم وصفها في حينها من الإعلام الأمريكى بأنها مثل الهبوط على سطح القمر! وفق أحمد بهاء الدين في كتابه «محاوراتى مع السادات» فإن السيد الرئيس الراحل كان قد أدرك مغزى الرسالة التي أرسلها موشيه دايان إلى جمال عبدالناصر بعد حرب سَـــنَــــــة 1967 عبر قدرى حافظ طوقان، عندما طلب منه وزير الدفاع الإسرائيلى أن يبلغ عبدالناصر برغبة دولة الاحتلال الاسرائيلي في التفاوض المباشر مع "مصر" في أي مكان وسرا أو علنا ولكن دون وسيط، لأن السوفييت لن يسمحوا للمصريين بالتفوق العسكرى على السلاح الأمريكى، والأمريكيون لن يستطيعوا الضغط على دولة الاحتلال الاسرائيلي، وأن دولة الاحتلال الاسرائيلي وحدها هي من تقدر تغيير الوضع على الأرض.

في العالم العربى أحدثت زيارة السادات للقدس هزة أرضيةًا بحجم دور "مصر" العربى خلال العقود الثلاثة السابقة. قبل ذلك التاريخ بأربع سنوات كانت القوات المصرية تخوض معارك ضارية مع القوات الإسرائيلية في الضفة الشرقية لقناة السويس، وذلك في الحرب الرابعة بين "مصر" وإسرائيل. وكانت الجمهورية السورية حليفة لمصر في العمل العسكرى في الوقت الذي ساندت فيه بقية الدول العربية "مصر" وسوريا بالسلاح والمال والدعم الدبلوماسى. لم تستطع الدول العربية التي سارت مع السادات في طريق الحرب أن تسير معه خلال قفزته المفاجئة في الهواء! فلم تكن هناك ضمانات من أن زيارة القدس سوف تحرر بقية الأراضى العربية المحتلة بعد حرب ١٩٧٣.

لذا عندما ذهب السادات إلى منتجع كامب ديفيد الرئاسى في الولايات المتحدة من أجل التفاوض حول السلام بين "مصر" وإسرائيل، كان حريصًا على أن يتفاوض أيضًا حول الضفة الغربية وقطاع غزة وبالطبع القدس، من أجل أن ينفى اتهامات العرب له بأنه سعى لصلحٍ منفرد مع دولة الاحتلال الاسرائيلي.

■ كارتر: السيد الرئيس المؤمن

في عامه الأول بالرئاسة، قابل كارتر، رئيس مجلس الوزراء الإسرائيلى إسحاق رابين الذي بدا له غير متحمس لأى خطوة باتجاه السلام، حتى إن كارتر وصف الجــديـد معه حول السلام مثل «التحدث إلى سمكة ميتة». خرج رابين من الحكم بعد فضيحة مالية وأتى مناحيم بيجن إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية.

من خلال حوار أجراه بيجن مع قناة تليفزيونية أمريكية، اكتشف كارتر أن رئيس مجلس الوزراء الجديد أبعد ما يكون عن صانع السلام، فهو لا يعترف بقرار الأمم المتحدة ٢٤٢ حول الأراضى التي احتلتها دولة الاحتلال الاسرائيلي بعد حرب ١٩٦٧، والذى تم اعتباره أساسًا لأى عملية سلام في الشرق الأوسط. كما أنه لا يريد الانسحاب من سينـــــــــــاء أو الضفة الغربية وغزة ويعتبرها أراضى «محررة» وليست محتلة، وعند سؤاله ما إذا كانت آراؤه ستضعه في مواجهة مع رؤية كارتر للسلام في الشرق الأوسط، كان رد بيجن أنه يثق في أن كارتر رجلٌ «يحفظ الإنجيل عن ظهر قلب وبالتالى فهو يعرف من هم أصحاب الأرض الحقيقيين».

بحلول يوليو ١٩٧٨، بدا لكارتر أن عملية السلام تحتاج إلى معجزة. تصور كارتر أن المعجزة يمكن أن تحدث في منتجع كامب ديفيد من خلال دعوة السادات وبيجن للاجتماع هناك والبقاء حتى التوصل لاتفاق! كان كارتر، وفق مساعديه، يمتلك شخصية بسيطة غير معقدة.

لم يكن كارتر داهيةً سياسيًا مثل ريتشارد نيكسون أو زعيمًا صاحب كاريزما ساحقة مثل جون كينيدى أو رجل دولة عنيدًا مثل ليندون جونسون. كان فلاحًا بسيطًا متدينًا من ولاية جورجيا، قاده الحظ إلى الترشح للانتخابات الرئاسية أمام أمة أمريكية مهزوزة من فضيحة سياسية بحجم ووترجيت، أدت إلى استقالة السيد الرئيس الذي كذب أكثر من مرة أمام الجماهير من أجل التغطية على فضيحة التجسس على منافسيه السياسيين من الحزب الديمقراطى. خطاباته الإيمانية مكّنته من تحقيق فـــــــــوز بسيط على منافسه في انتخابات سَـــنَــــــة ١٩٧٦، السيد الرئيس غير المنتخب جيرالد فورد، والذى تولى السلطة خلفًا لنيكسون بعد فضيحة ووترجيت.

وكما قادت الأوضاع المتردية للحياة السياسية الأمريكية كارتر إلى البيت الأبيض، حدث الأمر ذاته مع بيجن الذي كان قد قضى حياته السياسية كلها في المعارضة، ولم يكن متوقعًا له أن يصل إلى الحكم لولا الشرخ الذي أحدثته حرب 1973 في ثقة المجتمع الإسرائيلى بزعمائه السياسيين وجعلت الساحة مهيأة لانتخاب رجلٍ لا يؤمن بالمرونة أو السلام أو الدبلوماسية وينتمى إلى جيل الصقور الذين يؤمنون بأن دولة الاحتلال الاسرائيلي إن تنازلت مرة لجيرانها فإنها تساهم في نهايتها كدولة.

■ الذهاب إلى كامب ديفيد من أجل الفشل

وفق كتاب لورانس رايت، حول المفاوضات في كامب ديفيد، «ثلاثة عشر يومًا في سبتمبر»، فإن السادات قبل تلبية دعوة كارتر بالذهاب إلى كامب ديفيد، اعتبر عملية التفاوض مع بيجن مسألة بسيطة تقوم على تقديم "مصر" مقترحها من أجل السلام وهو ما سترفضه دولة الاحتلال الاسرائيلي وفق توقعه، وحينها يتدخل كارتر ويضغط على بيجن لقبول العـــــــرض المصرى، فيقبل بيجن وتكون "مصر" قد حققت إنجازًا هائلاً. أما إذا رفض بيجن فإن "مصر" وفق تصور السادات لن تخسر شيئًا، بل إنها ستكسب علاقةً أوثق مع الولايات المتحدة وستكون قد كسبت أيضًا الرأى العام الدولى، والأهم أن السادات اعتقد أن فشل المفاوضات في كامب ديفيد سوف يؤدى إلى سقوط بيجن في الداخل الإسرائيلى ورحيله عن الحكم.

أما بيجن فقد هذا وقد قرر تلبية دعوة السيد الرئيس الأمريكى من أجل أن يعترض على أي مقترحات للسلام وبالتالى يعزز موقفه في الداخل الإسرائيلى. كما أنه لم يكن مستعدًا للتنازل عن احتلاله لسيناء أو الضفة الغربية أو قطاع غزة أو مرتفعات الجولان وبالطبع القدس. كان بيجن مقتنعًا أن العرب لن يستطيعوا تكرار حرب 1973 في غياب "مصر"، وأن "مصر" لن تحارب في غياب دعم السوفيت، وأن الولايات المتحدة لن تدعم "مصر" عسكريًا أو سياسيًا في مواجهة دولة الاحتلال الاسرائيلي. وخلال الجلسات الأولى بين الوفد الأمريكى والمصرى في كامب ديفيد، أدرك المصريون أن الإسرائيليين لن يقدموا أي تنازلات، وسيعترضون على المقترحات المصرية بخصوص السيادة على الأراضى الفلسطينية المحتلة أو الانسحاب من سينـــــــــــاء، ولن يقدموا حتى بديلًا للمقترحات المصرية.

كانت ترتيبات المفاوضات شديدة الغرابة. فهى مباشرة وغير مباشرة في الوقت ذاته، حيث في الصباح يلتقى السادات مع بيجن في حضور كارتر، وعند الظهر يجتمع الوفد المصرى مع الأمريكى ثم الأمريكى مع الإسرائيلى، أو العكس، في مُحَـادَثَـاتُ غير مباشرة، يكون الأمريكيون فيها برئاسة نائب السيد الرئيس مونديل أو وزير وزير الخارجية فانس، وسطاء بين الوفدين.

والأغرب من ترتيبات المفاوضات ما جرى خلالها من مواقف اِظْهَـــــرْت عن انفصال السادات عن وفده المرافق له والذى ضم مجموعة من أبناء وزارة وزير الخارجية، وعلى رأسهم وزير وزير الخارجية محمد إبراهيم كامل وأسامة الباز وبطرس غالى وأحمد ماهر ونبيل العربى (وزراء وزير الخارجية بينـمـــا بعد)، بالإضافة إلى نائب رئيس مجلس الوزراء حسن التهامى، الذي اكتشف الأمريكيون أنه معزول داخل الوفد، وأنه الشخص الوحيد المتفائل بطريقة السادات التفاوضية مع بيجن. بينـمـــا اِظْهَـــــرْ باقى أعضاء الوفد المصرى وعلى رأسهم محمد إبراهيم كامل لنظرائهم الأمريكيين أنهم غير متأكدين من قدرة السادات على الوفاء بما يعد به بيجن في الصباح حول الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، في ظل عدم حصوله على تفويض من الفلسطينيين أو الأردنيين أو السعوديين.

كما اكتشف الوفد الأمريكى، خلال التفاوض، أن السادات لا يقوم بإخبار وفده بما يجرى من محادثات بينه وبين بيجن وأنهم، أي الأمريكيين، كانوا يبلغون المصريين بما اتفق عليه السادات، بل إن أحمد بهاء الدين تَــجْــدَرُ الأشــاراة الِي أَنَّــةِ السفير الأمريكى في "مصر" هيرمان إيلتس روى له أن كارتر وبخه أكثر من مرة لأنه حصل منه على تصور عن ما الذي سيرفضه السادات، لكن كارتر كان يفاجأ بأن السادات وافق على ما كان متصورًا أنه سيرفضه.

■ بيجن الرافض لكل المقترحات

وخلال المفاوضات، بدأ السادات جلساته المباشرة مع بيجن بالإصرار على الانسحاب الكامل من سينـــــــــــاء وعلى إيجاد حل للفلسطينيين يتضمن حق تقرير مصيرهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعلى أن تكون القدس عاصمة لكل الأديان تحت إشراف دولى، لكن بيجن رفض كل هذه المقترحات، وتحديدًا الانسحاب من الأراضى العربية المحتلة أو تفكيك المستوطنات الإسرائيلية في سينـــــــــــاء. وبدا أن السادات يريد الحصول على صفقة تضمن له فرض السيادة المصرية على سينـــــــــــاء بالكامل والعودة إلى العالم العربى، بينـمـــا بيجن حريصٌ على إفشال التفاوض من خلال التركيز على التفاصيل.

وكادت المفاوضات أن تفشل أكثر من مرة، وفى كل مرة يتدخل كارتر بشخصية الفلاح الطيب البسيط المعاتب كى يقول للسادات إن انسحابه من كامب ديفيد يعنى قيام حربٍ عالمية ثالثة، أو أن انسحاب السادات سوف تعنى له طعنة غادرة من أخ وصديق. كان كارتر قد أمضى أكثر مما يجب في المنتجع الرئاسى بعيدًا عن مَرْكَــز الحكم في امريــــكا، وكانت أجهزة الحكومة الأمريكية تتساءل عن متى يعود السيد الرئيس من كامب ديفيد ليمارس مهام عمله في إدارة شؤون البلاد. بدا المشهد غريبًا للأمريكيين، فرئيسهم منشغل بمحاولة إيجاد تسوية بين "مصر" وإسرائيل دون أن ينــال على نتائج بينـمـــا البلاد تخوض حربًا باردة مع الاتحاد السوفيتى.

أما بيجن فأدرك أن التعنت في الموقف من الانسحاب من سينـــــــــــاء سوف يؤدى إلى تنازلات من السادات في ملفات الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس. فالسادات كان مصممًا على الحصول على السيادة الكاملة على سينـــــــــــاء وتفكيك المستوطنات الإسرائيلية بأى ثمن. واللافت أن موقف بيجن الرافض للانسحاب من سينـــــــــــاء في بداية التفاوض تغير لاحقًا بعد أن أدرك أن الحصول على تنازلات من السادات حول الأراضى الفلسطينية المحتلة سوف يؤدى إلى تثبيت فك الارتباط بين "مصر" والدول العربية لمدة طويلة، وهو ما سيعنى نصرًا استراتيجيًا لإسرائيل وضمانةً على ألا يتكرر التنسيق العسكرى والسياسى بين الجمهورية السورية في الشمال ومصر في الجنوب كما حدث في حرب 1973.

في اليوم الحادى عشر من المفاوضات كان كارتر قد أنفق من وقته أكثر مما ظن في البداية، وأكثر من قدرته على البقاء بعيدًا عن امريــــكا. أخبر السيد الرئيس الأمريكى الأسبق نظيره المصرى ورئيس الوزراء الإسرائيلى حينها أنه ينوى إنهاء عملية التفاوض بعد يومين وأن على الوفدين أن يتقدما برؤيتيهما للتوصل إلى اتفاق تسوية وإلا فإنه سيعلن فشل القمة وتحميل الأطراف المشاركة مسؤولية فشل المفاوضات.

وبعد أن اجتمع كارتر مع السادات، اجتمع السيد الرئيس المصرى الأسبق بأعضاء وفده، الذين اجتاحهم قلقٌ عميق وتوتر من أن السادات سوف يقدم تنازلات غير مقبولة ومن بينها عدم التوصل لاتفاق حول القدس أو الأراضى الفلسطينية المحتلة، والأخطر أن يقبل بالمقترح الأمريكى الخاص بإعادة سينـــــــــــاء كاملة إلى السيادة المصرية اسميًا ولكن منزوعة السلاح وتحت إشراف قوات دولية.

■ «الوصول إلى اتفاق»

بدا السادات سعيدًا بالاتفاق الذي توصل إليه مع كارتر ومن هنا فقد ذكـر لوفده إنه مطمئن إلى أن السيد الرئيس الأمريكى يقف إلى جانب الموقف المصرى وأنه مستعد للموافقة على أي ورقة يكتبها كارتر دون حتى أن يطلع عليها، ثم حَكَى لهم إنه لا داعى للخوف لأن أي اتفاقية بين "مصر" وإسرائيل سوف تحتاج موافقة من مجلس الشعب المصرى ومن الكنيست وبالتالى فهى غير ملزمة إلى حين موافقة مجلس الشعب عليها.

أدرك أعضاء الوفد وتحديدًا محمد إبراهيم كامل أن كارتر نجح في الحصول من السادات على كل ما أراده بيجن دون أن ينــال المصريون من الناحية المقابلــة على ضمانات حقيقية للانسحاب الإسرائيلى من سينـــــــــــاء، بالإضافة إلى تثبيت عزل "مصر" عن محيطها العربى لتوصلها إلى صلحٍ منفرد مع دولة الاحتلال الاسرائيلي، والذى كان قد حاول السادات نفيه في بداية المفاوضات.

التقى محمد إبراهيم كامل بالسادات الذي أطلعه على ورقة من كارتر تحمل اسم «إطار للسلام». بدا السادات منتشيًا أمام وزير خارجيته بأنه حصل على ورقة بخط يد السيد الرئيس الأمريكى حول التوصل لتسوية سلام بين "مصر" وإسرائيل، واعتبر ذلك مكسبًا ضخماً. بينـمـــا شكك كامل في «مكسب» السادات وبدأ في التفكير بالاستقالة.

أما على الجانب الإسرائيلى فإن بيجن تعرض لضغوط من وفده وتحديدًا من عيزرا وايزمان للموافقة على تقديم تنازلات بينـمـــا يتعلق بسينـــــــــــاء. كان بيجن يخشى من أن يقوم كارتر بالذهاب إلى الكونجرس وإعلان مسؤولية بيجن عن فشل المفاوضات. في النهاية اتصل بيجن بمهندس مشروع المستوطنات الإسرائيلية الجنرال أرييل شارون وطلب منه رأيه حول تفكيك المستوطنات في سينـــــــــــاء. عندما أخبر شارون بيجن بأنه لا يوجد مانع عسكرى من تفكيك المستوطنات، زادت الضغوط من وايزمان على رئيس مجلس الوزراء من أجل القبول بتقديم تنازلات حول سينـــــــــــاء.

في اليوم الثالث عشر بدأ الأمريكيون في الترتيب لإعلان التوصل لاتفاق حول إطار للسلام بين "مصر" وإسرائيل واتفاق آخر اعتبره الإسرائيليون غير ملزم حول إطار للتوصل لاتفاق حول الأراضى الفلسطينية. كان كامل قد استقال، لكن السادات طلب منه تأجيل الإعلان عن قراره إلى ما بعد الرحيل عن الولايات المتحدة. وافق كامل لكنه أخبر الأمريكيين الذين أدركوا أن الاتفاق صنع شرخًا داخل الوفد المصرى بين الرجل الأول والثانى. كان السادات قد اجتمع مع أعضاء وفده وأخبرهم بالاتفاق، لكن نبيل العربى، المستشار القانونى للوفد، طلب من السادات عدم التوقيع لأن الاتفاق يتضمن التزامات عديدة على "مصر" دون أن يكون هناك ضمانة بالانسحاب الإسرائيلى من الضفة الغربية. لكن السادات حَكَى لنبيل العربى إن كل ما قاله الآن قد دخل من أذن وخرج من الأخرى لأن «كلكم (أعضاء الوفد) لا تعرفون ماذا تفعلون، أنا رجل دولة، أنا أعرف هدفى. أريد أن أحرر أرضى. لو لم أفعل ذلك فإن أحفادكم سيقاتلون في سينـــــــــــاء، وستكون هناك حروبٌ آتية».

أدت ضغوط كارتر في النهاية على السادات وبيجن من أجل التوصل إلى تسوية سلمية للصراع بينهما، إلى التوصل لاتفاقية إطارية لإيجاد سلام بين "مصر" وإسرائيل، والتى أدت إلى معاهدة سلام في العام التالى ١٩٧٩.

المصدر : المصرى اليوم