علاج عبقري للسرطان غير القابل للشفاء لثلاثة مرضى
علاج عبقري للسرطان غير القابل للشفاء لثلاثة مرضى

امرأةٌ في فلوريدا مصابةٌ بسرطان ثديٍ متقدمٍ لا يمكن علاجه، شُفيَت منه بعد عامين ونصفٍ من تطبيق علاج جـــديـــد يحرِّض خلاياها المناعية لاستهداف الورم، كما سُجَّلت في وقت سابق حالَتا شفاء لمريض مصاب بسرطانِ الكبد القاتل، وآخر مصاب بسرطان قولون متقدم.

عُولج هؤلاء المرضى الثلاثة من قِبل فريق المعهد الوطني للسرطان بقيادة ستيفن روزنبرغ، وهو رائدُ العلاج المناعي ورئيس شعبة الجراحة، إذ قام الفريق بسَلسَلة جينومات أورام كل مريض للعثور على طفرات، ثم اختبروا الخلايا المناعيّة المستخرجة من السرطانات من اجل تحديـــــــد أيّ منها قد يتعرف على العيوب، وبعد ذلكَ ضاعفوا هذه الخلايا مليارات المرات في المُختبر، ثم أُعيد غرسها في المرضى لمهاجمةِ الأورام.

شدّد روزنبرغ على أن هذه الطريقة المُسماة (adoptive cell therapy) هي علاجٌ تجريبيّ وأنّ العديد من المرضى الآخرين لم يستجيبوا للعلاج بها، لكنّه حيث قد أَرْدَفَ قائلًا: «إنّ هذه الحالات الثلاث تشير إلى مخططٍ لاستهداف مجموعةٍ واسعة من الأورام الصلبة المتقدمة للأعضاء الداخلية متضمنةً المعدة، المريء، والمبيض».

تمثّل تلك الخباثات الغالبية العظمى من الوفيّات الناجمة عن السرطان البالغ عددها 600000 حالة والتي ستحدث في أمريــكا هذا العام، وبدورة فقد قد ارْدَفَ: «إنّ هذه الطريقة تعتمد على الطفرات، وليس نوع السرطان، والطفرات المسببة للسرطان ستكون نقطة ضعفه».

جودي بيركنز مهندسة إنشائية عمرها 52 سَـــنَــــــةًا وتعيش في فلوريدا. في سَـــنَــــــة 2003 تم تشخيصها بسرطان ثدي في مراحله المبكرة وأجرَت عملية استئصال، وبعد مرور عقدٍ من الزمن علمت أن السرطان انتشر إلى أجزاء أخرى من جسمها؛ فخضعت لعلاجات متعددة وفشلت جميعها في نهاية المطاف. في سَـــنَــــــة 2015 حَثّها أحد أكبر علماء الهيئة الوطنية للسرطان NCI للتسجيل في التجربة.

بالفعل أُزيلَ أحد أورامها جراحيًّا، وكان لديها 62 طفرة مختلفة، ثمّ استخرج العلماء الخلايا المناعية من الكتل الخبيثة والأورام واللمفاويات المرتشحة، أو الورم المرتشح باللمفاويات (Tumor-infiltrating lymphocytes)، ووجدوا بعضَ الخلايا التي استهدفت أربعة من هذه العيوب.

قاموا بعدها بمضاعفة أعدادها إلى عشرات المليارات، وخضعت بيركنز أولًا للعلاج الكيميائي تبَعه إدخال الخلايا المناعية. بعد 5 أشهر بَشّرت النتائج بشفاءِها غـــــضـــــونًا من السرطان، وذُهلت بيركنز بالنتيجة وأجابت بعدم توقّعها الشفاء أبدًا.

التجارب على مريضٍ واحد أو حتى أعداد صغيرة لا تُثبت أن العلاج سينجح ويؤثر في الآخرين.

عالج فريق بيركنز أكثر من 40 مريضًا يعاني من الأورام الصلبة المنتشرة خلال الأربع سنوات المنصرمــة باستخدام هذه الطريقة. معظمهم دخلَ في التجربة ولديه عمر افتراضي محدود جدًا، واستجاب 15% منهم بطريقة ما. لكنّ هذه الاستجابات تختلف حسبَ قول ستيفاني جوف، وهي طبيبة في الفريق. كانت بيركنز الاستثناء (كمستفيد كامل) ولم تحتج أي معالجة إضافية.

تحَدَّثَت جوف: «يحاول العلماء إيجاد حلول لتحقيق نتائج ملائمة أكثر». مع ذلك، فإن الشفاء في هذه الحالات الثلاث يعتبر تقدّمًا هامًّا، وفقًا للباحثين.

المعالجة المناعية أفادت المرضى المصابين بسرطان ميلانوما (melanoma) متقدّم، وسرطان رئة، وبعض الخباثات الأخرى التي تحوي طفرات كثيرة، لكنّها لم تكن مؤثرة في السرطانات التي تبدأ في بطانة الأعضاء كالسرطانات الظهارية (epithelial cancers) والتي تحوي عددًا قليلًا من الطفرات.

رحّب علماء آخرون بهذه الأخبار لكن بتَحَفُّظ. يقول كارل جون، خبيرٌ في المعالجة المناعية في جامعة بنسلفانيا: «استجابة مريض سرطان الثدي إلى Tils كانت ملفتة للنظر»، وسأل: «هل كانت هذه الحالة بنسبة واحد إلى مليون؟ وماهي الطريقة التي ستفيد العديد من النساء؟».

حَكَى سكوت أنطونيا، أخصائي المناعة في مركز موفيت للسرطان في تامبا بولاية فلوريدا: «إن العمل الإضافي أمر حاسم، وهذه الورقة تُظهر دليلًا حيويًا على مبدأ العلاج وأنك تقدر بهذه الطريقة التأثير بشدة في المريض، يجب أن نستمر في السير بهذا الطريق».

تعتقد ميليندا باتشيني، وهي مسعفة سابقة تعيش في مونتانا، أن هذا العلاج أنقذ حياتها. في سَـــنَــــــة 2009 تم تشخيصها بسرطان القنوات الصفراوية انتشرت إلى الكبد، كانت حينها بعمر 41 سَـــنَــــــةًا.

خضعت لعمل جراحي لاستئصال ثلثي الكبد، لكن بعد 3 أشهر ظهر المرض في الرئتين، ولم تنجح معها طرق العلاج المختلفة، ثم وجدت تجربة NCI على الشبكة العنكبوتية. في سَـــنَــــــة 2012 حصلت على أول جرعة من Tils وبدأت الأورام تتقلص.

عندما بدأت الأورام تنمو مجددًا تَلَقَّت في السنة التي تليها مجموعة أخرى من الخلايا أكثر عدوانية تجاه الطفرات، وتقلّصت الأورام مرّة أخرى. في خريف 2016 احتاجت إلى المزيد من العلاج وعادت إلى NCI من أجل نوع مختلف من المعالجة المناعية، واليوم تقول أنّها تمتلك بقعًا قليلة في رئتها اليسرى التي يعتقد روزنبرغ أنّها قد تكون ندبة.

المريض المصاب بسرطان القولون المتقدم الذي عالجه فريق روزنبرغ في سَـــنَــــــة 2015 هي سيلين ريان من ميشيغان. اختفت معظم أورامها بعد أن حصلت على Tils، رغم أن أحدها في الرئة زاد سوءًا وتطلّب المزيد من الجراحة.

لا تزال خالية من السرطان اليوم، كما حَكَى روزنبرغ، وهي أول استهداف ناجح لطفرة تسمى KRAS، وهي طفرة متورّطة بسرطان القولون وأيضًا بسرطان البنكرياس والرئة.

تتذكر بيركنز أخصائية الأورام التي قدّرت لها 3 سنوات للحياة عندما عاد سرطان الثدي بشكل متقدم في سَـــنَــــــة 2013. أثناء تجربتها للعلاج بعد العلاج أصبحت مدافعة عن سرطان الثدي وذهبت إلى كاليفورنيا لتلقي التدريب من خلال (Project Lead)، وهو برنامج يديره (National Breast Cancer Coalition).

تأمل بيركنز أنها شُفيت –وهي كلمة تخاف أن تنطقها- لكنّها تعرف أن السرطان يمكن أن يعود مستقبلًا. تُدرك غـــــضـــــونًا أن معظم المرضى المصابين بنقائل سرطان الثدي ليسوا محظوظين وأن وسائل العلاج التجريبية يمكن أن تنطوي على مخاطر كبيرة.

اتصلت ببيركنز امرأة من ولاية كارولينا الجنوبية تُدعى جانيس ساترفيلد بعد أن قرأت منشور لها كتبته عن تجربة NCI. وقررت ساترفيلد التسجيل والذهاب إلى المركز للعلاج في أغسطس 2016. لكن تطورت لديها مضاعفات وتوفيت بعد بضعة أشهر.

ومن هنا فقد ذكـر زوجها سكوت ساترفيلد: «ربما فقدت حياتها، لكنني أتمنى أن يكسب شخص آخر من تجربتها».

  • ترجمة: كنان مرعي
  • تدقيق: لؤي حاج يوسف
  • تحرير: أحمد عزب

المصدر : انا اصدق العلم