حسناء رجب تكتب لـ«التحرير»: «ده النبي قبل الهدية»!
حسناء رجب تكتب لـ«التحرير»: «ده النبي قبل الهدية»!

ما زالت المسافة بين البيت الأبيض وطبقة المثقفين والفنانين طويلة جدا في أمريــكا.. في تلك المواجهة المشهودة التي جرت في مكتبة ماساتشوستس التي رفضت هدية سيدة الولايات المتحدة الأولى ميلانيا ترامب.. وهي عبارة عن عشرة كتب من سلسلة الكاتب المشهور سوس جيزل المعروف باسم دكتور سوس.

وعلى الرغم من تقدير أمينة المكتبة لاهتمام السيدة ترامب بالأطفال، وأن لا شيء أبهــى من الكتب لنقدمه هدية لهم.. فإنه لم يكن بمقدورها أن تتخطى قناعاتها في أن تتبع بأمانة شديدة سياق العملية الأدبية ذاتها على نحو أكثر يقظة وصدقا مع ما يقدم للقارئ الصغير.. متأملة مكونات سلسلة دكتور سوس التي تتخطى المناسب والمفيد للصغار على نحو جارف يفوق العملية الإبداعية نفسها.. والذي اشتهر بمؤلفاته ورسومه الموجهة للأطفال وبيعت له أكثر من ٢٠٠ مليون نسخة من كتبه!

الأمر الذي يكشف معه توجهات السوق المتعطش لمثل هذا النوع من أدب الأطفال.. كما تحولت إلى عدد من الأفلام الناجحة مثل "القطة في القبعة" على أننا نعي تماما أن العملية الثقافية والقيم الفكرية تسقط في بعض الأحيان معايشة وضع الفن في قالب التوزيع والانتشار تحديدا، إن لم يكن أدبا طبيعيا وصحيا ومتوازنا، فلا يعول عليه، الأدب الذي ينــال على إجابات بفضل ما يبذل من جهد غير عادي عن طريق الرسوم التوضيحية والكارتونية.. التي وجدت أمينة المكتبة هذه الرسومات عند سوس لم تفعل شيئا سوى أنها راحت تحتل على نحو عميق العنصرية، بل إنها لم تتخطَّ الدوجمات الضارة التي عانت منها الولابات المتحدة الامريكية منذ زمن، هذا المرض العضال.

تضاربت الآراء حول سوس جيزل بالطبع.. فهو لا يتحرج من ابتكار الكلمات وأسماء الكائنات دون خوف من منطق يكبحه أو عالم يصححه.. بل ورسم تلك المخلوقات بأشكال غريبة ومضحكة وملونة.. وهو الفن متعدد الأوجه بتناقضاته وفقدانه للسيطرة ولا يخضع لأي نموذج ضيق الأفق.. لكن من وجهة نظر أخرى فالفنان أيضا يجد نفسه وجها لوجه أمام العالم الصغير، وأمام نفسه، قصص ورسومات مفتوحة لها تأثير ومغزى اجتماعيا يشكل بيئة ثقافية معقدة للقارئ الصغير.

ليز فيبس سويرو.. أمينة مكتبة ماساتشوستس -التي وبالمناسبة هي نفس المدينة التي ولد فيها الكاتب- لم تضع في الاعتبار أنها ترفض هدية سيدة أمريــكا الأولى.. الحكومة المنتخبة ديمقراطيا.. بل كان لديها سبب وجيه للاعتقاد بأن رفضها لن يسبب أذى ومعاناة أو أي عنف مؤسساتي.. فلا يوجد شيء في مثل هذه الظروف غير عادل أو ظالم.. أو أنها تجاوزت حدودها ولم تتصرف بطريقة لائقة.

وحتى إذا كان هذا الخبر رمزيا بالدرجة الأولى، إنما هو في الحقيقة جدير بالاهتمام، حيث هناك طبقات مثقفة لديهم نية أخلاقية واضحة تهدف إلى الوعي واليقظة لما يقدم للأجيال الصغيرة.. بل لم يقوموا "كمكتبة" مــهـــمــة لها سمعتها بتعزيز سلطة الدولة العظمى، ولا مجاملة الكاتب المشهور بشكل أساسي.

ختمت كلمتها بأنها هدية غير مبررة على الإطلاق.. بالرغم أننا في أمريــكا نحتفل باليوم الوطني لقراءة الكتب.. وأن كل مكتبة مميزة في كل ولاية تحصل على هديتها.. فإنها حصلت على استنتاج مفاده أن السيدة الأولى تنقصها الدراية الكافية لنوعية هذه الكتب.. "عكست هذه العبارة تلميحا بعدم قراءتها القصص ومعرفة ما تحويه من أفكار عنصرية" ثم إنه على السيدة ترامب أيضا أن ترسل الكتب عموما للمدارس والمكتبات ذات الموارد الأقل. هنا قد يجد القارئ نفسه منجذبا لطريقة الدور الاجتماعي للمثقف وإثارته الحق المعنوي للمؤسسات الأقل موارد، وقبول هدية بشكل أو بآخر هو انتهاك لحق هذه المؤسسات، أو على الأقل للحق الأخلاقي..

وهنا يستلزم أن نسأل أنفسنا السؤال الصعب:
ما احتمال أن مجتمعنا من مثقفين وفنانين وأحيانا من السياسيين.. سيحافظ على نفسه بالشكل الذي يختلف عن المجتمع القائم بالفعل؟ ثقافة الانتهازية والامتثال الذليل الذي لا ملامح له والبروباجندا تحت الشعارات الدعائية المقررة.. وعلى نحو آلي كان أحدهم يقول باسما: "ده النبي قبل الهدية"! ​

حسناء رجب

المصدر : التحرير الإخبـاري